عرّف بالسمع ما ذكرناه زال هذا التجويز ، وقطع على عظمها . وهذا العلم يؤثر في قوة دواعيه إلى الانصراف عنها ، فلا يمتنع ، لزيادة هذا الخوف ، أن يظهر تعالى عليه المعجز ، فيوجب النظر في علمه ؛ لأنه ، وإن لم يعرف من قبله ما كلّف ، فقد عرف ما يتصل بما كلّف ، ولا فرق بين الوجهين في كونه لطفا ؛ لأن ما يعرفه ، من جهة النبي ، من الأفعال إنما تحسن بعثة النبي لأجلها ، لأنها لطف في العقليات .
وهذه المعرفة التي ذكرناها هي لطف في العقليات أيضا كالصلاة ، لأنه ، عندها ، ينتهى عن الفحشاء ، أو يكون أقرب إلى ذلك ، وعند علمه بكبر تلك الفحشاء وكونها محبطة لثوابه ينتهى عن ذلك ، أو يكون أقرب إلى الانتهاء . وهذا العلم ، في أنه لا يحصل إلا من جهته ، كالعلم الأول ، فيجب أن تكون الحال فيهما واحدة . وكذلك القول فيما يجرى هذا المجرى فيما يتصل بما كلّف . ولذلك قلنا إن العلم يكون الفعل كفرا وفسقا طريقة السمع ، كما أن العلم بالشرعيات هذا طريقه ، والفرق بينهما في الوجه الّذي ذكرناه لا يمكن .
فإن قال : فجوّزوا بعثته للتأكيد والتحذير ، ويكون فيه زيادة خوف ، إن لم ينظر في علمه .
قيل له : قد بيّنا أنه لا معتبر « 1 » بتواتر جهات الخوف إذا كان طريقه الظن ؛ وليس كذلك الحال فيما طريقه العلم ، لأنه إذا استفاد ، من قبله ، العلم بكبر المعصية حصلت له مزية من جهة هذا الداعي ، ولم يمكن ذلك من قبل ، وليس كذلك حال الخوف فقط ؛ لأنه قد كان بالفعل حاصلا ، ولا يكون ، على هذا الوجه ، في البعثة فائدة ، ولا يمتنع بعثة الرسول ، ليعلم من جهته زوال التكليف في بعض / الأفعال ؛ لأنه في حكم الشريعة ؛ إذ لا فرق بين أن يعرف زوال الوجوب ، فيما لولا بعثته لما عرف ، وبين أن يعرف ثبوت الوجوب ، وكذلك القول في سائر الأحكام ، حتى لو لم يعلم ، من قبل الرسول ، إلا إباحة بعض الأفعال التي لولا السمع لما عرفنا إباحته . ولكان
هامش
( 1 ) في « ب » : « يعتبر » .