قيل له : إنما نذكر وجوب البعثة وحسنها في حال التكليف عند تقدير ما لا بدّ منه . فأما إذا قدّر ما يستغنى المكلف عنه فلا وجه له . والّذي ذكرته من الفرق بين السموم والأدوية قد كان يجوز أن يقع التكليف ويحصل ، ولا يقع بينهما تفرقة ؛ لأن ما يحدث عند السموم من فعله تعالى كان يجوز ألّا تجرى به العادة ، حتى يجعله ، فيما يحدثه عنده ، بمنزلة الأدوية والأغذية . وإذا صح ذلك فما الّذي يمنع من التكليف ، مع [ فقد ] « 1 » بعثة الرسل ، والحال هذه ؟ أو لست تعلم أنه تعالى قد كلّف خلقا ، وإن لم يكن الأكل من عادتهم ، ولا في طباعهم . فإذا جاز ذلك ، فما الّذي يمنع مما ذكرناه ؟
وقد بيّنا أن الّذي لا بد في التكليف منه حصول الشهوة والنفار فيما كلّف تركه وفعله .
فأمّا وجوب ذلك ، في سائر ما يصح أن يدرك ، فلا يصح اشتراطه في التكليف . /
فلو أنه تعالى لم يفصّل بين هذه الأمور عند المكلّف ، ولم يحوجه إليه ، فما الّذي كان يمنع منه ؟
وبعد ، فلو أحوجه إليه ، ولم يعرّفه إلا على جملة ما الّذي كان يمنع منه أن يكلّفه ؟ أوليس ، في جملة المكلفين ، من لا يعرف هذه الأمور إلا جملة ، وتكليفه صحيح ؟
وبعد ، فإن المتعالم من حال المكلفين بيننا أن أكثر السموم ، إذا شاهدوه ، لم « 2 » يعرفوه ، ولم يفصلوا بينه وبين غيره ؛ لأنهم ، وإن عرفوا سمّا قاتلا ، فليس يعرفون عينه ؛ وكذلك القول في الأدوية ؛ فما الّذي يمنع من صحة التكليف دون هذه المعرفة ؟
وبعد ، فإذا جاز أن تعيش البهائم ، ولا عقل لها ، ولا تفصل بين هذه الأمور ، فما الّذي يمنع من أن يعيش المكلف [ في أحوال تكليفه ، وهذا حاله ؟ فمن أين وجوب البعثة لهذه العلة . ] « 3 »
هامش
( 1 ) سقطت من « ب » .
( 2 ) في « ب » : « ولم » .
( 3 ) ما بين المعقوفتين قد سقط من « ب » والسياق مضطرب فيما بعد بسبب تكرار جملة « مع فقد هذه المعرفة إلا أوقاتا مخصوصة » .