تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
وبعد ، فلو لم يصح أن يعيش المكلف [ مع فقد هذه المعرفة ، إلا أوقاتا مخصوصة ] « 1 » ما الّذي كان يمنع منه تعالى أن يكلفه هذه الأوقات ؟ أوليس الواحد منا قد يموت بهرم وغرق ، وإن لم يصح منه التحرز من هذه المضار ؟ فإذا صح ذلك ، مع فقد المعرفة ببعضها ، فما الّذي يمنع من ذلك في سائرها ؟ وبعد ، فإن على الإنسان ، في السموم والأدوية ، تكليفا ، مرة إذا عرفها ، ويحصل مرة أخرى ملجأ إلى كف وإقدام ، إذا عرفه . ولا مدخل للإلجاء في التكليف . فلا يجوز أن يقال بوجوب البعثة لهذا الوجه . وفي الوجه [ الآخر « 2 » ] قد كان يجوز منه تعالى ألّا يكلفه فيهما إقداما ولا كفا ، لوجوه كثيرة . فمن أين أن البعثة واجبة لهذه العلة ، وأنها ، إذا وجبت لأجلها ، وجبت البعثة إلى جميع المكلفين ؟ وبعد ، فإن العلم بالجملة ، التي يحتاج إليها في الفرق بين هذه الأمور ، قد يحصل اضطرار بالأخبار والتجربة ، وقد تحصل فيه أمارات تقتضى التفرقة من جهته ، غالب الظن ، فمن أين أن البعثة واجبة لأجلها ، وهي قد تتم دونها ؟ وإذا أجرى اللّه تعالى العادة بأن يقلل السموم في الأيدي ، وكذلك الأدوية ، ويجعل له أمارات ، ويكثر الأغذية ، وما لا بدّ منه ، في أيدي الناس ، ويجعل لها أمارات ، ففي ذلك مقنع للمكلفين . فمن أين أن البعثة واجبة ؟ فإن قال : إنما يوجبها لهذه العلة ، وأحوال المكلفين هذه . قيل له : قد بيّنا ، وحالهم هذه ، أن الغنى « 3 » قد يقع عن هذه التفرقة ، وأن هذه التفرقة ، على الجملة ، قد تحصل لأمر قبل الأنبياء . وفي ذلك إسقاط قولك . وبعد ، فمن أين أن أحوال المكلفين كذلك في كل عصر تقدم ؟ بل من أين لك أن أحوال السموم والأدوية كانت أبدا على هذه الطريقة ؟ أوليس ما طريقه العادة قد تختلف الأحوال فيه ؟ فلو قيل لك إنها كانت قليلة المضرة فيما تقدم ، ثم بالعادة زادت المضرة فيها على التدريج ؛ وكذلك القول في الأدوية ما الّذي كان يمنع من ذلك ؟ وكل
هامش
( 1 ) كررها الناسخ في الفقرة السابقة . ( 2 ) سقطت في « ب » ( 3 ) في « ب » : « المغنى » .