نظر في الآخر ، فلا يحصل لأحد « 1 » مزية على الآخر . وكذلك « 2 » ، إذا قدم « 3 » أحدهما لهذه البعثة ، وفعل الآخر لوجه سواها فغير ممتنع ذلك ، هذا لو صح في أدلة العقول هذا الترتيب والتقديم والتأخير . فأما إذا لم يصح ذلك فيه فلا سؤال علينا في ذلك . وهذا هو الأقرب ، لأن أدلة العقول ترجع إلى أحوال الأجسام ، وأحوال الأفعال والقادرين ، وذلك لا يترتب ، بل الكل يحصل في حكم الحال الواحدة فيما يرجع إلى المكلّف . وإنما تترتب « 4 » الأدلة المتعلقة بالاختيار « 5 » والمواضعة ، فتتقدم وتتأخر جميعا عن أدلة العقول . وذلك يسقط ما سأل عنه في تشبيهه السمع بعد دليل العقل على هذا الشيء إذا تقدم ، وكان النظر فيه يوصل إلى نفس هذا العلم . والنظر في هذا المعجز لا يوصل إلى هذا العلم ، وإنما يوصل إلى العلم بصدق الرسول ثم ، بخبر آخر يستأنفه ، يحصل هذا العلم فيجب ألّا يحسن لذلك ، لأن الغرض هو العلم ، يصح التوصل إليه بأمر قريب ، فلا يحسن أن يكلف التوصل إليه ، بعد ذلك ، بأمر بعيد ، كما لا يحسن فيه تعالى أن يكلف المكلف أفعالا ليصل بها إلى مثل الثواب الّذي يصل إليه بفعل واحد قد « 6 » كلفه ولا غرض في التكليف سوى ذلك .
ولهذا الوجه لا يجوز أن يكلف ، جل وعز فعلا يحتاج إلى أفعال من الألطاف .
والمعلوم من حال هذه أنه ، إذا كلّفه ، يستغنى عن الألطاف ويوصل به إلى البعثة ، لأن ، على هذا الوجه ، يصير التكليف الزائد عبثا . وكذلك القول فيما سأل عنه .
وبعد ، فإنه إذا كان مكلفا فلا بدّ من أن يتمكن من النظر في ذلك الدليل ، ويكون قد ثبت ، في الجملة ، على ما يعلمه وخطر بباله . فإذا كان هناك ما النظر فيه معين لم يحسن أن يكلّف النظر في المعجز ، مع أن النظر فيه لا يغير ذلك .
يبين ما قلناه أن الدليل الدال على أنه تعالى لا يرى إذا تمكن المكلف منه ،
هامش
( 1 ) في « ب » : « لأحدهما » .
( 2 ) في « ب » : « فكذلك » .
( 3 ) هكذا في « ا » ، « ب » .
( 4 ) في « ب » : « ترتبت » .
( 5 ) في « ا » : « الاختيار » وغير منقوطة في « ب » .
( 6 ) في « ب » : « فقد » .