الرسل ووجوب النظر في علمهم وإذا « 1 » جاز أن يبعث تعالى رسولين بشريعة واحدة [ ويصح « 2 » ] ذلك ، وإن كان ما يمكن أن يعرف من أحدهما يمكن أن يعرف من قبل الآخر ، فما الّذي يمنع من جواز ما ذكرناه ؟ ألستم قد جوّزتم أن يبعث اللّه تعالى رسولا مضموما إلى رسول متقدم ، والشريعة واحدة ، على الوجه ، كما تقولون في موسى وهارون ؟
جوّزوا مثله فيما سألناكم عنه .
قيل له : إنه ، إذا كانت الحال هذه لا تصيّر المكلف خائفا من ترك النظر في علمه ، وإنما نلزم النظر لهذا الوجه ، فإذا لم يحصل الخوف ، مع تمكنه من معرفة ذلك بالعقل ، لم نلزم النظر . وقد بيّنا فيما تقدم ، أنّ ما يمنع من وجوب النظر في علمه ، يمنع من حسن البعثة .
فإن قال : فيجب مثله في الدليلين المتقرّرين في عقله .
قيل له : إن كان أحدهما يطرأ على الآخر ، ولم يحسن فعله إلا لوجوب النظر فيه فقط ، فالحال فيه ما قدمناه . وإن كان قد يحسن فعله إلا لوجه سواه ، لم يمتنع أن يفعله تعالى لذلك الوجه ، وإن صحّ فيه الاستدلال والنظر ، وإن أوجدهما جميعا معا فهو صحيح في الحكمة ، لأن حالهما متساوية . فقد بيّنا أن ذلك لا يصح في بعثة الرسول ، لأنه لا بدّ من كونه طارئا على تكليف المكلف ، وتقرير الأدلة في عقله ، لأنه كالفرع على أدلة العقول ، وعلى معرفة اللّه تعالى بتوحيده وعدله ، وبيّنا أن من حق العلم ألّا يحسن إظهاره إلا للوجه الّذي له يجب على المكلف النظر فيه ، فصار حاله بمنزلة دليل يطرأ على دليل قد تقدم للمكلّف ، ولا فائدة فيه إلا صحة النظر فيه ، ليعلم ما يصح أن يعلمه بالأول ، والطريق واحدة . فهذا لا يحسن ، عندنا ، من القديم تعالى أن يفعله لأمر يرجع إلى وجوب النظر فيه ، فلا فرق بينهما وبين ما سألت عنه .
فأما في سائر الوجوه فالتفرقة بينهما ظاهرة ، لأنه تعالى إذا نصب كلا الدليلين للمكلّف فإنما أوجب عليه النظر على طريقة التخيير ، فإن شاء نظر في أحدهما ، وإن شاء
هامش
( 1 ) في « ب » : « فإن » .
( 2 ) في « ب » : يصح .