فإن قال : لست أقول ذلك ؛ بل لا بد من أن يعلم من قبله ، شيئا ، وأجوّز أن يعلم من قبله ما يجوز أن يعرفه بعقله من التوحيد ، والعدل ، وما شاكل ذلك .
قيل له إن هذه الأمور لا يصحّ أن يعرفها إلا بعقله ؛ لأن معرفته بها ، إذا لم تتقدم ، لم يكن طريق إلى أن يعرف دلالة لمعجز على نبوة الرسول ، على ما [ نبينه من بعد ] « 1 » وإذا [ فهمت هذه المعارف ] لم يكن لوجوب النظر في معجزته لهذا الغرض معنى .
فإن قال : إنه لا يمتنع ، مع « 2 » تقدم هذه المعارف ، أن يعرف هذه الأمور من قبل الرسول ، فيكون صلاحا من حيث تضمّ هذه المعرفة إلى تلك المعارف .
قيل له : قد بيّنا أن من عرف النبىّ بدليل لا يصح أن ينظر في دلالته ثانية ، ليعلم ذلك المدلول ؟ فإنما يؤديه نظره في الثاني إلى المعرفة بحال « 3 » الدليل وتعلقه بالمدلول .
وإذا صح ذلك لم يجز أن تحصل له من قبل الرسول المعرفة لما قد علمه بعقله ؛ وإنما يعلم أنه رسول ؛ وأن من حق كلامه أن يكون دلالة ؛ وذلك يسقط ما ذكرته .
وبعد ؛ فلو صح أن نعلم المدلول بدليل ثان بعد أول كان لا يصح مثله في هذا الموضع ، لأن الوجه الّذي معه نعرف كونه رسولا ، وكونه صادقا فيما يخبر به ، يتعلق بالعلم بالتوحيد والعدل ؛ فلا يمكن ، على وجه أن يبتدئ ، فيستدل بقوله على هذه الأمور . وإذا كان لا يصحّ أن يستفيد هذه المعارف به على حد الابتداء ، فكيف يقال ، إذا تقدمت هذه المعارف ، وأمكنه أن يعرف أنّه رسول صادق ، يصح أن يعرف ذلك به ؛ لأنه إذا امتنع ذلك في دليلين يجوز أن يبتدئ الاستدلال بكل واحد منهما إذا تقدم استدلاله « 4 » بأحدهما ، فبأن تمنع فيما ذكرناه أولى .
وبعد ، فلو صح أن يعرف ما ذكرته من جهة الرسول ، بعد معرفته بأدلة العقول ، لم يجز في العلم الثاني أن يكون لطفا ، لأن العالم بما كلّف لا يميز بين حاله ، إذا عرفه بعلمين وعلوم ، وبين حاله إذا عرفه بعلم واحد ؛ لأنه لو ميّز ذلك لوجب فيمن يكثر قدر
هامش
( 1 ) في « ب » : « وإذا تقدمت هذه المقدمة » .
( 2 ) في « ب » : « من » .
( 3 ) في « ب » : « بهذا » .
( 4 ) في « ب » : « استدلال » .