فإن قال : لا يجوز ذلك ؛ بل لا بدّ من ظهور المعجز عليه ؛ لكنه قد لا يجب النظر فيه ، كما يقال في الدليل الثاني .
قيل له : إن أدلة العقل يجب النظر فيها . ولا يجوز في الدليل العقلي ألّا يجب على المكلّف النظر فيه ؛ لكنها إذا كثرت كان مخيّرا في النظر في أيّها شاء . وإذا كانت الدلالة واحدة ، لزمه النظر فيها بعينها ؛ فكيف يصحّ أن « 1 » تستشهد بذلك ، وأنت لا تجده في أدلة العقول ؟
وبعد ، فلو ثبت ، في أدلة العقول ، ما لا يجب النظر فيه ، لقلنا : إنه لا يجب على القديم تعالى أن ينصبه ؛ لأن نصب الأدلة ، في الوجوب ، يتبع وجوب النظر ؛ فما منع من أحدهما يمنع من الآخر .
فإن قيل : أليس قد نصب تعالى الأدلة في الجنة ، ولم يلزم النظر ؟
قيل له : إنا أردنا بما قدمناه ، [ والحال ] « 2 » حال تكليف ؛ لأن المكلّف يصح منه أن يستدل ، ويصح إيجاب ذلك عليه ؛ فأما إذا لم تكن الحال هذه لم يلزم على قولنا .
وبعد ، فلو صح إظهار المعجز ، ولا يلزم النظر فيه ، لصح أن ينطق الرسول المبعوث بذلك ، فيقول : « إن معي رسالة لا تلزمكم معرفتها ، فإن تبرّعتم ونظرتم ، فيما يظهر عليّ من المعجز ، لزمكم ذلك ، وإلا فالنظر غير واجب عليكم » . ولو « 3 » قال ذلك ، لكان هذا القول منه من آكد الصوارف عن النظر في رسالته . ولا يجوز أن يبعث تعالى رسولا والغرض فيه ألّا ينظر في أعلامه .
وبعد ، فلو كان في الرسل من هذه حاله ، حتى تظهر عليه المعجزات العظيمة ولا يلزم أحدا النظر فيها ، ولا يخاف من ترك النظر في ذلك ، لكان ذلك مفسدة في بعثة من معه شرائع يلزم معرفتها والنظر في المعجزات الظاهرة عليه ؛ وفي ذلك إبطال القول
هامش
( 1 ) في « ب » « أن لا » .
( 2 ) في « ب » : « الحال » .
( 3 ) في « ب » : « فلو » .