اللّه تعالى بتأكيد ما في العقول ؛ لأنه ، إذا جاز أن يؤكده بدليل « 1 » ، بعد دليل ؛ فكذلك لا يمتنع أن يبعث فيه رسولا .
وإذا جاز ، في السمعيات ، أن تترادف فيها الأدلة ، فيظهر اللّه تعالى معجزا ، بعد معجز ، على رسول واحد ، فهلّا صحّ مثله فيما قلناه ؟
وإذا جاز أن يرد السمع ، فيدلّ على مثل ما دلّ العقل عليه - كما تقولون في دلالة السمع والعقل على أنه تعالى لا يرى بالأبصار - فجوزوا مثله فيما قاله .
وإذا جاز ، فيما دلّ اللّه تعالى بالعقل عليه ، أن يلزم المكلّف ، في غيره من المكلّفين ، أن يأمر بالمعروف ، وينهى عن المنكر ، ويحذّر من القبيح ، ويرغّب في الواجب ؛ فهلّا حسنت البعثة لهذه العلة ، وتكون لها مزيّة ، من حيث يكون المبعوث ، الّذي أبانه « 2 » اللّه تعالى بالمعجزات ، وأيّده بالعصمة ، وعظّم في الصدور منزلته ، أهيب في القلوب ، وقوله أعظم موقعا ، فيتهيّب المرسل إليه من مخالفته ما لا يتهيّبه من مخالفة من ليس هذا حاله ، كما نعلم من رسل الملك إذا وردوا فحذّروا وأنذروا ؟
وإذا جاز أن يستقل بعض القرآن بكونه معجزا ودالّا على النبوّة ، وتحسن ، مع ذلك ، الزيادة فيه لضرب من المصلحة ، فهلّا جاز فيما نعلمه ، من جهة العقل ، أن يبعث تعالى به الرسل ويظهر عليهم المعجزات لضرب من المصلحة ؟ أوليس قد ثبت في كثير من الأنبياء ، الذين أثبتوا بالمعجزات أنهم جاءوا « 3 » بشريعة من تقدّم ، من دون زيادة ونقصان ؛ فهلّا حسن ما ذكرناه لمثل هذا الوجه ؟ وهلّا حلّت البعثة ، مع إظهار المعجز أوّلا ، محلّ إظهار المعجز حالا بعد حال ، على النبىّ الواحد المتحمل لشريعة واحدة ؟
قيل له : إن ما أوجب حسن البعثة يوجب لزوم النظر في العلم الّذي يظهر على
هامش
( 1 ) في « ب » : « بعقول » .
( 2 ) تشتبه في « ا » بأثابه وهي غير منقوطة في « ب » والأرجح ما ذهبنا إليه لأن المؤلف يستخدم هذا اللفظ بمعنى ميزه .
( 3 ) في « ب » : « جاوا » .