فيقال له : أيصح أن يكون ذلك الوجه من الوجوه التي نعلم بالعقل وجوب الفعل لأجلها فككونه شكرا لمنعم ، وردّا لوديعة إلى ما شاكل ذلك ؟
فلا يمكنه الإشارة إلى بعض هذه الوجوه المعيّنة .
فيقال له عند ذلك : فلا بدّ من أن يكون الوجه الّذي له يحسن منه تعالى إلزام ما ألزم هو كونه مصلحة فيما كلّفه .
فإذا ثبت ذلك ، فقد صحّ ، مع تسليم هذا القول ، أن الّذي اعتمدناه في النبوّات صحيح على كل حال ، وأن هذا المخالف أكّد ما قلناه بأن أوجب البعثة من وجهين :
أحدهما : لما ذكرناه من تضمّن البعثة / لتعريف المصالح في التكليف .
والثاني لأن هذه البعثة مستحقّة على عمل تقدّم . فلم يقتصر ، في وجوب البعثة ، على الوجه الّذي قلناه ؛ بل زاد عليه وجها آخر ، لو صحّ انفراده ، لوجبت البعثة لأجله .
وإذا لم يقدح هذا الخلاف في صحة ما قلناه ، من حكم البعثة وعلة البعثة في الحسن والوجوب ، فلا وجه لتقصّى الكلام فيه . وأنت تجد ذلك مشروحا في باب الإمامة إن شاء اللّه .
فإن قيل : هلا قلتم إنه يحسن منه تعالى بعثة الرسل لتأكيد ما في العقول ، ويجرى ذلك مجرى تواتر الأدلة وترادفها ؛ فإذا حسن ذلك منه تعالى [ فكذلك القول في بعثة الرسول . وليس « 1 » ] لكم دفع ذلك بأنه لا بدّ من شريعة لرسول يبتدئها أو يجدّدها ، قلّت أم كثرت ؛ لأنا ، في ذلك ، نخالف ، ونقول : ينبغي أن تجوز البعثة لغير هذا الوجه ، كما تجوز بهذا الوجه ، على ما ذهب إليه أبو علي ، رحمه اللّه ، لأنه عند مكالمة البراهمة في « التعديل والتجوير » و « نقض الزمرّدة » « 2 » ، عوّل في مكالمتهم - حيث اعتلوا بأن الرسول إذا جاء بما يخالف ما في العقول فتجب بعثته - ، فقال لهم : فجوّزوا أن يتعبّد
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » .
( 2 ) في « ا » الزمردة وفي « ب » : الزمرد . وهو عنوان كتاب لابن الراوندي الملحد نسب ما فيه من حجج لدفع النبوات إلى البراهمة . [ تعليق للمرحوم الأستاذ الخضيري ] .