وقد بيّنا في « باب الأصلح » ، أن الوعد بالشيء لا يوجبه ، كما أن الوعيد بالشيء لا يحسنه ؛ وأنه لا بدّ من استنادهما إلى أمر يحسنهما فإذا صحّ ذلك لم يكن لأحد أن يقول : إن ضمان الثواب كالوعد في هذا الباب ؛ لأن الخلاف فيهما واحد .
وقد بيّنا أن دخول النفع في الشيء لا يوجبه ، ولا التخلص به من مضرّة ، وأن ذلك ، قد يقع بالقبيح ، كما قد يقع بالحسن وبالواجب ، وإن لم يتعيّن حالهما ، وبيّنا أنه لا يجب ، من حيث حسن من القديم تعالى الإلزام للثواب ، أن يصح لزوم الشيء لأجله ، وتقصّينا القول في ذلك ، في أول « باب العدل » ، عند الكلام على من قال : إن الحسن يحسن للأمر ، والقبيح يقبح للنهي ، وكل ذلك يبطل قول من يقول :
إنه يحسن من القديم تعالى بعثة الأنبياء ، لإلزام الأفعال لأجل الثواب .
فإن قيل : هلّا قلتم : إنه تعالى تحسن منه البعثة لأمر يخصّ نفس المبعوث ، دون المبعوث إليه ، فلا يجب أن يعتبر على هذا الوجه ، إلا حاله دون حال المبعوث إليه ، ويحسن ألا يبعثه ، [ وإن بعثه ] « 1 » ، كما يحسن أن يكلّفه ، وإن جاز ألا يكلّفه ؟
قيل له : إن عنيت بالرسول من يكون بالصفة التي قدمناها ، فقولك فاسد ، لأنه لا معنى لإظهار المعجز عليه ، وتحميل الرسالة ، إلّا لأمر يتعلق بالمبعوث إليه ، وإن أردت بذلك أن يكلفه « 2 » في ذات نفسه أفعالا ، فهذا غير ممتنع عندنا .
ومن هذا حاله لا يكون رسولا .
فإن قال : جوّزوا أن يظهر عليه المعجز ويحمّله الرسالة ، وإن لم تتعلّق بغيره ، ويكون مخيّرا فيها .
قيل له : سنبيّن أن ذلك يكون في حكم العبث ، لأن الوجه ، في حسن إظهار المعجز ، هو الوجه الّذي يوجب النظر فيه ، والوجه في تحميل « 3 » الرسالة هو الوجه الّذي له يلزم الأداء ولا يلزم ذلك إلا ويلزم المؤدّى إليه القبول والتمسّك به ، على ما قدمناه :
فإن قال : جوّزوا أن يبعث رسولا ويظهر المعجزات عليه ، ويكون الوجه في
هامش
( 1 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » ، وهو موجود في هامش « ا » .
( 2 ) في « ا » ، « ب » : تكليفه والسياق لا يستقيم معها في رأينا .
( 3 ) في « ب » : « تحميله » .