الرسل إليه ، إنه تعالى كلّفه أوّلا العقليات والسمعيات ، أو يجوز أن يكلفه أوّلا العقليات ، ثم يكلّفه السمعيات ؟
قيل له : إذا كانت السمعيات مصلحة ، في كل ما كلّف ، فلا بدّ من ذلك في الابتداء . فأما إن كانت مصلحة ، في بعضه وفي بعض الأوقات ، فإنما يجب أن يعرّفه ، عند كونه مصلحة له . وكما يجب أن يعرفه في تلك الحال ، فيجب أن يريد منه ، في تلك الحال ، إلا أن يكون ، في تقديم التكليف ، ضرب من المصلحة ؛ فيقدم ذلك ، كما بيّناه في التكليف أجمع .
فإن قيل : هلّا قلتم : إنه يحسن منه تعالى أن يبعث الرّسل بالتكليف الزائد لمكان الثواب فقط ، ويكون ذلك ، من حيث كان تكليفا زائدا ، حسنا غير واجب ؟
قيل له : لأنه ، إذا عرّفنا وجوب الفعل ، فلا بدّ من وجه يجب له ؛ ولا وجه يجب له الفعل إلا ويدخل في العقليات ، إذا كان وجها مخصوصا ، أو في السمعيات ، إذا كان لطفا . وإيجابه ما ليس له صفة الوجوب لا يحسن من القديم تعالى ، لأنه في حكم الكذب ، واللّه يتعالى عن ذلك .
وقد قال شيخنا « أبو عليّ » ، رحمه اللّه ، في « كتاب التعديل والتجويز » :
إنّ ما « 1 » يلزم العبد ، في العقليات ، القيام بها من جهة ما يستحقه من الثواب ، ويتحرّز به من العقاب . [ و ] لولا ذلك لما لزمه العدول عن أوطاره ولذّاته ، في باب التشفّى ، والظلم ، والإقدام على المكاره والمخاوف ، وما تنفر منه النفس ويأباه الطبع .
قال : فإذا ثبت ذلك ، / وعرّفنا الرسول ، صلّى اللّه عليه ، أن لنا فيما نؤديه مصلحة هي الثواب والتحرّز من العقاب وجب القبول منه .
وهذا بعيد ؛ لأن العقليات إنما يستحق بها الثواب ، والتحرّز من العقاب ، لما هي عليه من الأوصاف ؛ بل لأوصافها يتحصل الاستحقاق . فإذا ثبت ذلك ، فالواجب في السمعيات مثله .
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « إنما » .