تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 64

مساهمون:

ص٦٤
فإن قيل : فما قولكم في ذلك : أتقولون إنه لا وجه تحسن لأجله البعثة إلا ذلك ، وأنها ، متى حسنت ، وجبت ، أو يجوز في حسنها سوى ذلك ؟ قيل له : الصحيح عندنا أنها إنما تحسن لهذا الوجه الواحد ؛ لأن ما عداه قد ثبت بالدليل فساده على ما نبيّنه . فإن قيل : كيف يصح ذلك ، وقد يحسن الشيء لوجوه ، وبعضها يقترن به الإيجاب دون بعض ؟ قيل له : إنا لا نمنع من ذلك إذا حصل في الفعل غرض من جهات على البدل ، وانتفت كل وجوه القبح عنه ؛ وإنما منعنا من ذلك لقيام الأدلة على ما ادعيناه ؛ لأنه ، إذا لم يصح أن يقال بحسنها إلا لوجوه معقولة - وفسد جميعها - لم يبق إلا ما قلناه ، سيما ، وقد علمنا أن بعثة الرسول ، ولا معجز ، لا تصح . وكذلك فلا تصحّ بعثته لا إلى أحد ؛ لأن المصلحة في بعثته تتعلق بغيره . ولا يصح ظهور المعجز عليه ، ولا يلزم النظر فيه . فإذا لم يجب النظر في المعجزات إلا للوجه الّذي ذكرناه ، فقد صح ما ذكرناه ، في هذا الباب ، وصار ذلك بمنزلة ما قدمناه في التكليف ، أنه متى حسن وجب ؛ لأنه ، إذا جعله تعالى على كمال شرائطه فالتكليف واجب ؛ وإن لم يجعله كذلك . فالتكليف قبيح . وبعثه الرسول هو طريق التكليف الزائد على العقليات ؛ فهو بمنزلة أصل التكليف في هذا الباب . وقد بيّنا أن قولنا ، في التكليف ، إنه ليس بواجب إنما نعنى به أنه لا يجب عليه ، تعالى ، أن يجعله « 1 » على الصفات التي لا بدّ عندها من أن يكلّف . فلمّا كان له أن يفعل ذلك ، وألّا يفعل ، كان التكليف تفضّلا . وفارق قولنا في ذلك قول أصحاب الأصلح الذين يوجبون خلق العبد ، وجعله بالصفات التي معها يكلّف ، كما قد يوجبون نفس التكليف على بعض الوجوه . فإن قال : أتقولون ، فيمن المعلوم من حاله أن مصالحه فيما كلّف لا تتمّ إلا ببعثة
هامش
( 1 ) في « ب » : « يجعلها » .