فصل في أن اللّه تعالى إذا عرّفنا أحوال هذه الأفعال وجبت علينا ، أو حرمت وما يتصل بذلك
اعلم أنا قد بينّا ، من حال الفعل ، أنه ، إذا كان داعيا إلى غيره فلا بدّ فيه من أن يكون واجبا ، إن دعا إلى واجب أو الإخلال بقبيح ؛ وقبيحا « 1 » ، إن دعا إلى قبيح ، أو « 2 » الإخلال بواجب . وبينّا أن ، مع العلم بذلك ، لا بدّ من وجوبه علينا ، وقبحه منا ؛ لأن وجوبه علينا لا يكون إلّا عند هذا العلم ، كما أن وجوب سائر الواجبات علينا لا يكون إلّا عند العلم بوجه وجوبها ، على جملة أو تفصيل . وقد دللنا على أنه لا يكون واجبا لعلة ولا لما يجرى مجراها ؛ ولا الموجب يكون موجبا بالتعريف « 3 » وما يجرى مجراه .
فإذا صحّ ذلك ، وعرّفنا تعالى هذه « 4 » الحال ، فلا بدّ من وجوب الفعل أو حظره « 5 » ، ولا يصحّ ، مع ذلك ، ألا نكون مكلّفين . فإن عرّفنا أحوال هذه الأفعال من غيرنا فذلك الغير هو المكلّف ؛ وكذلك إذا ألزمنا ، على بعض الوجوه ، معرفتها .
وقد بينّا ، من قبل ، أن التمكين من العلم بمنزلة حصول نفس العلم ، في باب تكليف الأفعال ، وأنه ، إن تمكن المرء « 6 » من ذلك . ولم يستدلّ فيعلم ، لم يخرج من أن يكون مكلّفا بهذه الأفعال . ولذلك قلنا في الشرائع : إنها لازمة للكفار ، كلزومها لمن صدّق بالرسول عليه السلام . فإذا ورد على المكلّف من يدّعى الرسالة وقال . « إن الواجب عليك تعرّف مصالحك في التكليف من قبلي ؛ فإن أنت عرفته تمّ لك الوصول إلى ما عرّضت له من الثواب والتحرّز من العقاب ، وإن لم تعرفه من قبلي ، أخللت بمصالحك ، ولم يتكامل لك الوصول إلى ما عرّضت له ، فيصير كلّ ما تأتيه من العقليات ، وتتحمل المشاقّ فيه ، بمنزلة ما لا ينتفع به ، لإخلالك [ بما يلزمك تعرّفه من قبلي ؛
هامش
( 1 ) في « ب » : « قبيح » .
( 2 ) في « ب » : « و » .
( 3 ) في « ب » : « للتعريف » .
( 4 ) في « ب » : « إلى هذه » .
( 5 ) في « ب » : « حصره » .
( 6 ) في « ا » ، « ب » : « المر » .