من وجوبه . وبيّنّا أنه ، لو علمه بالعقل لكان لازما له لأمر يتعلق بما كلّفه ؛ فيجب أن يلزم تعريفه من جهة السمع .
فإن قال : إنما يجب على المكلّف إذا عرف ذلك من حال الفعل أو تمكّن من معرفته ، ومتى فقد ذلك زال الوجوب ، فلم قلتم إنه يجب على المكلّف ذلك ؟ أوليس هذا القول يقتضي أنه يجب أن يكلّف ، ومن قولكم إن التكليف تفضّل لا واجب ؟
وإذا صح منه تعالى أن يعلّم واجبا دون آخر ، فيكون مكلّفا لما علّم دون غيره ، فهلا صحّ مثله فيما سألنا كم عنه ؟
قيل له : إذا كان ما كلّفه لا يتمّ الغرض به إلا بأن يعرّفه هذا الفعل فيفعله ، فيجب أن يعرّفه ذلك ، لكي يفعل ، فيختار عنده ما كلّف ، ويصل به إلى مصالحه ، ويتحرّز به من مضاره . وليس ذلك من ابتداء التكليف بسبيل ؛ لأنا إنما نقول بنفي وجوبه ، لأنه لم يتقدم ما يقتضي وجوبه . وفي هذا الباب قد تقدم التكليف ، وصار تعريف هذا الفعل وصلة إلى ما كلّف تعالى ، وإزاحة لعلة المكلّف فيه ؟ فلا بدّ من القول بوجوبه .
يبيّن ذلك أنا وإن لم نوجب نفس التكليف ، لتعلقه به ، ولأن الغرض في « 1 » مصالح العبد لا يتمّ إلا به ومعه ؛ فكذلك القول في تعريفه حال أفعاله المؤدية إلى ما كلّف ؛ لأن ، بالتعريف ، يتمّ منه إيقاع الفعل المؤدى إلى ما كلّف ، ولولاه لما تمّ ؛ فحلّ محلّ اللطف الّذي يكون من قبله تعالى .
وبعد ، فإن تعريف ما يؤدى إلى الواجب يجب أن يكون ، كتعريف نفس الواجب فإذا كان متى كلف تعالى الواجبات العقلية ، فلا بدّ من تعريف حالها ، ليصح من المكلّف إيجادها على الوجه الّذي وجبت ، فكذلك لا بد من تعريف ما هو لطف فيها ، وإزاحة لعلّتها ، إذا كان لا يتم ذلك إلا بالتعريف ؛ لأن بالتعريف ، يصل إلى المعرفة ، ومع المعرفة ، يمكنه الفعل .
هامش
( 1 ) في « ب » : « من » .