فإن قال : أليس لا يلزمه « 1 » ردّ الوديعة ، لو لم يعرفها وديعة ؟ فإذا عرفها ، بخبر مخبر ، لزمه الرد ، ولم يجب على القديم تعالى التعريف ، فهلّا صحّ مثله في باب الألطاف ؟
قيل له : إن المعرفة بوجوب عين مخصوصة قد يصح أن تحصل من قبله تعالى ومن قبل غيره بالخبر ؛ والظن في ذلك يقوم مقام العلم . فلم يجب على القديم تعالى أن يزيح فيه العلة ، إذا كانت الحال هذه ، كما لا يجب فيما يتمكّن من تحصيله / من الآلات ، أن يفعله القديم تعالى ؛ وإنما يجب أن يكلّفناه ، إذا كان المعلوم أنا نتمكن منه ، ومن معرفته في وقت ما كلّفناه . وليس كذلك حال الألطاف ؛ لأن معرفتها لا تتم إلا من قبله تعالى ؛ فوجب التعريف ، وإن كان ذلك التعريف ، متى تعلّق بغالب الظن ، صحّ أن يرجع فيه إلى غيره .
وعلى هذا الوجه ، رتّبنا الكلام في الشرعيات ، وأوجبنا ، في أصولها ، التعريف من قبله تعالى بنفسه وبواسطة ؛ وفي الفروع جوّزنا الرجوع فيه إلى أخبار الآحاد ، والاجتهاد ، وغيرها « 2 » . لكنه مفارق ما ذكره في ردّ الوديعة ، لأنها إنما تجب إذا عرف حالها ، ولولا ذلك لما وجبت أصلا . و [ أما ] اللطف فواجب من حيث يؤدى إلى القيام بالعقليات ، وإنّ ما « 3 » يؤدى إلى ذلك لا يتم من دون المعرفة ، فلا بدّ من أن يعرفنا « 4 » القديم تعالى حاله ، كما لا بدّ من أن يمكّن ، ويخلّى بين المكلّف وما كلفه .
ومما يدلّ على ذلك أن الواحد منا إذا أراد من ولده التعليم ، وتلحقه مضرة بفقد ذلك ، لزمه إرشاده إليه . فإذا علم أن « 5 » ذلك لا يتمّ إلا بأن يعرّفه أمرا آخر يؤدّيه إليه ، لزمه أن يعرفه ذلك ، كما يلزمه تعريف الأول من حيث كان الغرض
هامش
( 1 ) في « ب » : « يمكنه » .
( 2 ) في « ب » : « غيرهما » .
( 3 ) في « ا » : « إنما » وفي « ب » : إنه .
( 4 ) في « ب » : « يعرف » .
( 5 ) في « ب » : « بأن » .