النادر في الحوادث ، فتكون الدواعي إلى نقله أقوى . فإن انضاف إلى ذلك أن يكون الأمر من باب / الديانات قويت الدواعي في نقله ، وحصلت لها مزيّة ، على ما يخرج من هذا الباب .
فإذا كان الناقل ممن يتدين بذلك ، ويعتقد وجوب نقله ، فهو أوكد في [ هذا ] الوجه .
وإذا كان من الباب الّذي يتعلق بالتكليف فالمكلّف الحكيم ، جلّ وعزّ ، لا بدّ من أن يقوّى الدواعي إلى نقله ، ليتم من التكليف ما أراده .
فإذا صحّ ما ذكرناه من وجوه الدواعي ، وغيرهما مما لم نذكره ، فقد صحّ بصحته أن في الأخبار ما لا بدّ من أن يكون منقولا ، ولا يجوز فيه خلافه ؛ وفيها ما الأقرب أن يكون منقولا ، وإن جاز خلافه ؛ وفيها ما قد يتساوى فيه حال الطرفين لبعض العلل ؛ فلا يمتنع في بعضها ألّا يجب نقله ، ولا يحسن إذا كان من الأمر الّذي لا يفيد نقله ، من الظهور والإظهار ، إلا ما هو عليه .
ولهذه الجملة ، قلنا إن الكتمان الّذي لا يجوز على الجمع العظيم هو ترك نقل ما الحاجة تدعو إلى نقله ، ويحصل ، بنقله ، من الفائدة ما لا يحصل فيه قبل نقله .
فأما ما لا تمس الحاجة إليه من نقل المأكل ، والأحوال المستمرة ، وطلوع الشمس وغروبها ، وما يتصل بالمعايش ، إلى غير ذلك ، لا يعدّ كتمانا ؛ فلا يمتنع على الجمع العظيم أن يتركوا نقل ذلك .
فأما إذا كان الأمر المنقول مما تقوى الدواعي إلى نقله ، لحاجة الناس إلى معرفته ، أو لأنه من الأمور العجيبة ، أو النادرة المستطرفة ، أو الخارجة عن العادة ، فنقله .
واجب . ولذلك لا يجوز أن يحدث في الموسم الفتنة العظيمة ، ولا ينقل ذلك ، أو في الجامع محاربة عظيمة ولا ينقل ذلك ، وإن كنّا نجوّز منهم ألا ينقلوا قراءة الإمام في صلاته ، ولو أن الإمام سها في صلاته سهوا ظاهرا خارجا عن العادة لم يجز أن لا ينقل . وما يفعله مما يجرى على طريقة العادة قد يجوز ألا ينقل .
وهذه أمور معقولة لا يفتقد في صحتها إلى بيان عللها ؛ لأنه ليس يجب في كل أمر نعلمه أن نعرف علله ، سيما إذا كان من باب الدواعي ، فإن الجملة فيها تغنى عن التفصيل .
واعلم أنه لا يمتنع في الأمر ، الّذي ينقل حالا بعد حال ، أن يضعف ، فيما بعد ، نقله ، لأن بتكرر العقل فيه ، قد حل محل الأمور الظاهرة في الأصل .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 406
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٤٠٦