فصل فيما لا يجوز فيه الكتمان ، وفيمن لا يجوز ذلك عليه وما يتصل بذلك
قد يجوز الكتمان على كل واحد بعينه في الأمور ، كما يجوز الكذب عليه ، لأغراض تخصه . فأما الجمع العظيم ، إذا عرف أمرا تدعو الدواعي إلى نقل مثله ، فغير جائز أن يكتمه ، ولا يظهره إلا بمواطأة ، أو شبهة جامعة لها على ذلك ، أو خيفة ، أو رهبة إلى ما شاكله . ومتى لم تحصل هذه الأمور ، ولا حصل ما يقوم مقام نقلها وإظهارها ، فالكتمان غير جائز عليها ، إذا كثر ، كما لا يجوز عليها الاتفاق على الكذب في الخبر الواحد . [ والّذي ] لا يجيز عليهم كتمان أمر معين ، كما لا يجيز عليهم الاتفاق في كذب معيّن .
فأما إذا كان المكتوم أمورا مختلفة ، والمخبر عنه أمورا مختلفة ، وليس لبعض ذلك تعلّق ببعض ، فلا يمتنع جواز ذلك عليهم ، كما أن اجتماع الجمع العظيم على مأكل واحد لا يجوز أن يكون إلا كداع لجمعة .
فأما على أمور مختلفة فغير ممتنع أن يتفق عليه ، في وقت وأوقات ، لما تقتضيه الشهوات والحاجات . وصار الكتمان والكذب في الأمر الواحد يمتنعان على الجمع العظيم لوجه واحد ، وهو ما قدّمنا ذكره ، من قوة الدواعي إلى إظهار ما علموه .
وقد علمنا أن هذا الداعي ، كما يقتضي ترك الكتمان ، فكذلك يقتضي الضد ، ولأنهم إذا لم يصدقوا لم يظهر ما عرفوه ، كما أنهم إذا كتموا لم يظهر ما عرفوه . فإذا امتنع أحد الأمرين للغرض الّذي قدّمناه ، امتنع الغرض الآخر .
فلهذه العلة ، قال شيوخنا : إن الكتمان لا يمتنع فيما ذكرناه ، كامتناع الكذب ، وإن لم يثبتوا هذه العلة على هذا الحد . وعلى هذا الوجه منعنا في الرسول عليه السلام أن يكذب فيما يؤدى عن اللّه تعالى ، وإن « 1 »
هامش
( 1 ) سقط من الورقة 106 ثلثا الصفحة - وقد رأينا مع ذلك أن تحرر ما بقي منها وهذه الورقة هي آخر كتاب الكلام في الأخبار من الجزء الخامس عشر .