تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 405

مساهمون:

ص٤٠٥

فصل فيما يجب أن ينقل من الأخبار ، وما لا يجب ذلك فيه

قد ثبت ، وصح أن ترك إظهار الخبر ، والكفّ عنه ، أشق على النفس من إظهاره ؛ وإن كان أقرب إلى الراحة . فهو مخالف ، في ذلك ، لكثير من الأفعال التي تجعل العاقل يؤثر الكف عنها ، دون الإقدام عليها . ولهذا الوجه يشق على النفس حفظ السر وكتمانه ، حتى مدح حافظه والتارك لإظهاره ، ونسب إلى الحزم والعقل ، كما نسب مظهره إلى خلافه . ولذلك قلّ من يحفظ السر في الناس ، وكثر من يبديه ويظهره . وكأن النفس تستروح إلى إظهار ذلك . فلذلك تقوى الدواعي في إظهاره ، كما تقوى في سائر ما يستروح الناس إليه ، وتجد عنده راحة ، وتخلصا من ضيق صدر ، وغمّ ، وألم . فهذا هو الأصل في الأخبار ، وإن كان لا يمتنع أن تقوى الدواعي إلى كتمانها في بعض الأحوال . ولذلك ظن بعض المتكلمين أن انتشار الأخبار من باب الطباع ، لا من باب الاختيار ؛ لأنه رأى النفوس عليها مجبولة ، والدواعي فيها قوية . فظن أنه خارج عن الاختيار ، داخل في الطباع والاضطرار . ورأى أن الأخبار لا يصح أن تنكتم ، ولا تظهر ؛ فعدّه لذلك من باب التسخير والطبع . وليس الأمر كما قدّره ، وإنما يجب ، في الأخبار ، ذلك من جهة دواعي النفس ، على ما ذكرناه ؛ لأن المتعالم من حال الواحد منا أنه متى ضاق صدرا بأمر طلب التخلص منه ؛ ومتى علم الراحة في باب طلب الثبات عليه . ولهذا الوجه يطلب العقلاء المعرفة ، والوقوف على علل الأمور العارضة ؛ لأن الجهل بذلك يضيّق الصدر ، فيستروح العاقل إلى إزالته بطلب البصيرة ، والكشف . وقد ثبت أيضا أن الدواعي قوية إلى إظهار ما يختص به المرء من المحاسن والفضائل . ومن جملة ذلك إظهار ما يختص معرفته لمن لا يعرف ذلك . فهذا أيضا ، وجه في قوة الدواعي إلى إفادة الغير الأمور التي لا يعرفها ؛ لأنه من باب الإحسان ، والإنعام ، والأخذ عليه بالفضل . فهذا أيضا من دواعي إظهار الأخبار . وربما اقترن إلى هذه الدواعي ، كون ذلك الحادث من الباب الخارج عن العادة ، المستطرف عند السامع ،
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 405 | القاضي عبد الجبار الهمذاني