تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 403

مساهمون:

ص٤٠٣
إما أن يكونوا عرفوا / ذلك بهذا الخبر أو بالمشاهدة . فإن كان بالمشاهدة فحالهم حال المخبرين وليس يجب ألا يقع العلم بخبر العدد إلا إذا أخبر كل من شاهد ، أو يحصل منه ما يجرى مجرى الخبر . وإن كانت معرفتهم حصلت عن خبرهم فقد علموا صحته ، من دون تصديق متقدم ، فإذا صح ذلك في المصدقين صح في غيرهم . وإن كان المعتبر ، بتصديقهم ، من دون معرفة فقد علمنا أنّ ذلك لا يؤثر ؛ لأن وجوده كعدمه ، إذا لم يكن لهم معرفة بما صدّقوا فيه ؛ وذلك يبطل ما تعلقوا به . وبعد ، فإن تصديقهم يقبح ، ولا يحسن ، فكيف يجوز أن يجعل من شرط وقوع العلم بهذا الخبر أن يقع منهم ما يلزمهم الكفّ عنه ؟ وبعد ، فإن كان الشرط في صحة الخبر ، عند السامع ، وقوع التصديق من سائر الناس - وقد علمنا أنّ في الناس من لا يقول بصحة الأخبار « كالسّمنية » - فقد كان يجب ألا يصحّ شيء من الأخبار ، على وجه من الوجوه ، لأن في الناس من يكذّب بصحته ، وينفى وقوع العلم به . فإذا كان الّذي به يدفع به قولهم ، في جملة الأخبار ، ما نجد أنفسنا عليه من سكون النفس إلى مخبر الأخبار ، فكذلك نبطل بمثله من شرط التصديق في ذلك ، لأنا نجد أنفسنا ساكنة إلى صحة الأخبار ، وإن علمنا أن الجميع لم يصدقوا به ، لأنا نعلم أن الأمور الحادثة ، التي تعرف بالأخبار عن قرب ، لا يصح أن يكون الناس سمعوها ، أو تصوروها ، حتى يصدّقوا بها ، أو يكذبوا ، وقد وقع لنا العلم بها إذا تواتر الخبر المخصوص علينا . وهذا هو الواجب في الحوادث كلها ، تقارب عهدها أو تباعد ، تسامع الناس بها أو لم يتسامعوا . فكيف يصح ما شرطه في هذا الباب ؟ وإنما تهوّس من تعلق بهذا الباب ، لأنه ظن أنه يمكنه القدح بذلك في معجزات محمد ، صلوات اللّه عليه ، من حيث يزعم أن اليهود كذّبوا بها ، أو لم يصدقوا بصحتها ، وفصلوا ، بذلك بينها ، وبين معجزات موسى ، من حيث وقع منهم ومنّا التصديق بها . فجعلوه مفرّقا بين الأمرين . ولو تأملوا الحال في ذلك لعرفوا فساد هذا القول ، لأن من ينفى النبوات أصلا من البراهمة لم يوافقهم في معجزات موسى . فلئن كان ما ذكروه ، في معجزات محمد
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 403 | القاضي عبد الجبار الهمذاني