تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 402

مساهمون:

ص٤٠٢
فيه أيضا ، لأنه إذا كان تصديقه شرطا في علم غيره ، فيجب أن يكون شرطا في علم نفسه وهذا يوجب ألا يحصل لنا العلم ، بهذه الأخبار ، إلا بعد أن يتصور « 1 » المخبر عنه ، ونصدّق به ، ثم نعلمه بالخبر ، وهذا في نهاية الفساد . على أنه إن كان تصديقه شرطا في علم غيره ، وليس شرطا في علم نفسه ، فيجب أن تختلف شروط الأخبار . وقد بيّنا أن العادة فيها مطردة . على أنه إنما يعلم تصديقهم بهذا الخبر بخبر آخر ؛ لأنه لا يصح أن يشاهد الجميع ، فنعرّف تصديقهم . فيجب ، في ذلك الخبر أيضا ، ألا نعلم صحته إلا بعد تصديق يتقدم ؛ وهذا في نهاية الفساد . وبعد ، فإن العلم بالخبر ، إذا وقع ، وقد صدّق الناس به ، فيجب أن ننظر أنه لما ذا وقع ؟ إما لخبر وقع ؛ أو بالتصديق ، أم بهما جميعا ؟ وقد علمنا أن الخبر هو الّذي يتعلق بالمخبر على وجه يجوز أن يكون طريقا له . فأما التصديق فإنما يتعلق بالخبر ، لا بالمخبر . فلا يجوز أن يكون طريقا للعلم بالمخبر عنه . وإذا صح ذلك فلا فرق بين أن يضامه التصديق أولا يضامه ، كما أن العلم المكتسب ، لمّا وقع عن النظر في الدليل ، لم يكن بتصديق الغير به اعتبار ؛ لأن الدليل له تعلق بالمدلول ، دون التصديق . فأما وقوع التكذيب ، من فريق من الناس ، بهذا الخبر فإنه غير مؤثر فيه ؛ لأن تصديقهم ، إذا لم يعتبر ، فتكذيبهم أيضا لا يؤثر ، لمثل ما قدمنا . على أن التكذيب مقدور للناس ، بالأخبار والمشاهدات ، ويمكن أن يفعله الآحاد ، وإن لم يصحّ من الجمع العظيم أن يجتمعوا عليه . فقد كان يجب أن يكون ثبات هذا العلم موقوفا على اختيارهم في التكذيب ، والكف عنه ؛ وهذا بيّن الفساد . على أن تصديقهم ، إن كان شرطا ، فليس يخلو من أن يكون المعتبر فيه أن يكون تصديقا لهم عن معرفة ، أو من دون معرفة . فإن كان عن معرفة فيجب أن يكون علمهم بصحة الخبر قد تقدم ، ثم لا يخلو حالهم من وجهين :
هامش
( 1 ) في الأصل : « يتصور » لكن السياق كله يوجب استخدام ضمير المتكلمين .