قيل له : فالكلام الّذي قدّمناه لازم لك ، بأن يجوز في الأخبار العظيمة ، لاقتران هذا السبب بها ، ألّا يقع للسامعين لها العلم .
وهذا يبين أنّ من اعتبر السبب في إثبات هذا العلم ، أو نفيه ، يلزمه ، على الوجهين جميعا ، أن يصدّق ، في غيره ، ألّا يكون قد علم بالأخبار شيئا ، وإن كثرت ، وظهرت وفساد ذلك يبطل التعلق بالأسباب .
فأما إذا كان الّذي يذكر من السبب يحصل العلم عنده بالعادة ، فهذا مما لا ننكره .
وعلى هذا الوجه ، يعرف الإنسان الأشكال ، والخطوط ، والأشخاص ، إلى غير ذلك . وربّما استدلّ بأمور يعرفها ، فيعلم بها ما لذلك السبب به تعلّق . وإنما أنكرنا ما قاله من أن السبب ، الّذي لا يقتضي العلم على وجه ، يجعل خبر الواحد مقتضيا للعلم .
فقد دخل ، في هذه الجملة ، ما يكون جوابا عمّا أوردناه في أول الباب ؛ لأن جملة ما تضمنه ذلك الكلام :
إما أن يكون ما بانفراده يمكن أن تعلم صحته بالعادة أو الاكتساب .
وإما أن يكون مما لا تأثير له إلا في الظن ، فإذا انضاف إلى الخبر قوى الظنّ ، كما ، إذا انفرد ، قد يقوى الظن به ؛ فالتعلق به بعيد .
وباللّه التوفيق .
فصل في أن من حق هذا الخبر ألا يؤثر ، في صحة العلم به ، التكذيب والتصديق
قد بيّنا أنه متى بلغ عدد المخبرين حدّا مخصوصا ، وأخبروا عن الضروري ، فالعلم يقع بخبرهم ؛ وأنه لا معتبر بما عدا ذلك من الشروط والصفات . فالذي يحكى عن بعض اليهود ، أن العلم إنما يقع بصحته إذا صدّق الناس به ، أو لم يكذّب بعضهم به ، في نهاية البعد والركاكة . وذلك لأن هذا العلم قد يقع بالأخبار ، كما يقع بالإدراك ، وإن لم يخطر بالبال تصديق الغير به أو تكذيبه .