تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 397

مساهمون:

ص٣٩٧
ما بيّن في غير موضع . فلو كان الظن المتقدم يصير علما من غير أن يقارنه علم ، لكان لا بدّ من وجه يصير لأجله كذلك . وكل الوجوه التي تؤثر في هذا الباب معدومة . وكيف يمكن أن يقال في ذلك الظن إنه يصير علما ؟ وليس له أن يقول : إنه يصير كذلك ؛ لأنه من فعل اللّه تعالى ، كالعلوم الضرورية ؛ لأن الظن من فعل العبد ، ولا يجوز ، فيما هو من فعله ، أن ينقلب ، فيصير فعلا للّه تعالى . وهذا يبين أنّ ، على طريقة « أبى هاشم » لا بدّ من أن يقول بوقوع علم حادث من قبله تعالى ، عند آخر الأخبار ؛ ثم يقول ، عند ذلك ، إن الظن ، إذا كان من جنسه ، لم يمتنع أن يكون علما ، كما يقوله في التقليد . وقد بيّنا أن هذا ، وإن صحّ ، فإنه غير نافع للسائل ، فيما طلبه بسؤاله ؛ لأنا قد بيّنا / أن وقوع هذا العلم الضروري ، الّذي لا بدّ منه عند آخر الأخبار ، يغنى عن جميع ما تقدّم من الظنون ، حتى يكون وجودها كعدمها . وإنما نقول بتقدمها ، لا لأنه يحتاج إليها لكي يحصل الظن ، لكن لأن من حق الأمارات أن تقتضى غالب الظن في العقلاء . فلو اعتقدوا فيها ما يخرجها من كونها أمارة ، ولم تحصل لهم الظنون ، لم يمنع ذلك من وقوع العلم الّذي ذكرناه . يبيّن ما قلناه أن خبر المخبرين عمّا علموه باكتساب يقتضي غلبة الظن للسامع ؛ لأن الوجه الّذي له يظن ، ويقوى ظنّه فيما يسمعه من الأخبار عن البلدان ، قائم في الخبر عن التوحيد والعدل ؛ ثم لم يجب في ذلك أن يصير علما ، لمّا لم يتكامل فيه الشرط الّذي صار ، لأجله ، طريقا للعلم . فكذلك القول في الأسباب إنها ، إذا انفردت ، لم يحصل فيها ما يوجب كونها طريقا ؛ وهي بمنزلة الأخبار عن الأمور المعلومة باكتساب . وبعد ، فإن الكلام ، فيما يكون طريقا للعلم الضروري ، وما لا يكون طريقا له ، لا تستعمل فيه طريقة المقايسة ، كما لا يستعمل ذلك في طرق الإدراك . وإنما نرجع فيه إلى ما نجده من أنفسنا . ولولا صحة ذلك لما أمكننا إثبات طرق للعلم ونفى ما عداه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 397 | القاضي عبد الجبار الهمذاني