بحصوله قد قام مقام العلم بذلك ، لما لم يمكن الوصول إلى العلم . فقد عرفنا أن اجتلاب المنافع بالواجبات ، وما يقع من التحرز بها من المضار ، معلوم متيقن . فبأن يجب على العبد التماس هذه المصالح بالفعل ، الّذي يتم معه الغرض ، أولى .
فإذا علم أن ذلك الواجب لا يقع إلا عند فعل آخر صار الغرض لا يتم إلا بهما .
فوجب على العبد التماس مصالحه بكلا « 1 » الأمرين . وصار مقدمة هذا الواجب بمنزلة واجبين تساويا في الوجوب . فإذا لزمه فعلهما ، ليصل بذلك إلى مصلحة ، فكذلك القول في وجوب الفعل الّذي لا يتم الواجب إلّا معه .
فإن قال : فكأنكم جعلتم الفعل واجبا عليه ، من حيث يختار عنده الواجب ؛ وهذا ينقض قولكم : إنه لا يجوز أن يجب الفعل إلا ويختص هو بوجه الوجوب ؟
قيل له : ليس الأمر كما ظننته ؛ لأن ما هذا حاله مع الواجب تحصل له صفة الوجوب ، وإن كان ماله يجب سوى ماله يجب الفعل الآخر .
وقد بيّنا « 2 » أنه لا يمتنع في الأفعال أن تتساوى في الوجوب [ ويفترق في وجه الوجوب ] « 3 » فإذا جاز « 4 » في ردّ الوديعة وشكر المنعم ، أن يجبا ، مع اختلاف وجه وجوبهما ، فما الّذي يمنع من وجوب ما هو لطف في شكر المنعم ، وإن كان أحدهما يجب ؛ لأنه شكر المنعم ، والآخر ، لأنه لطف منه ؟
وهذه طريقتنا ، في كل فعل نوجبه لأجل وجوب غيره ، أنا نثبت له وجه وجوب سوى الوجه الّذي له يجب الفعل الآخر ، وإن كان وجه وجوبه يعلّقه بالفعل الآخر [ وكونه ] وصلة إليه . وعلى هذا الوجه ، نقول في الواجب ، إذا لم يقع إلّا متولدا إن سببه واجب . وإذا لم يمكنه فعل ذلك السبب إلا بتحصيل « 5 » آلة وجب تحصيلها .
وعلى هذا الوجه ، بنينا الكلام في وجوب النظر والمعارف . ولهذا قلنا : إنه تعالى ، إذا لم يصح أن يثيب إلا بقطع حال التكليف عن حال الثواب ، وبالإعادة بعد الفناء
هامش
( 1 ) في « ا » : « لكلا » ، وفي « ب » : « بكل » .
( 2 ) في « ب » : « بينا له » .
( 3 ) ما بين المعقوفتين سقط من « ب » .
( 4 ) في « ب » : « كان » .
( 5 ) في « ب » : « بحصول » .