فإن قال : أليس قد يلزم الوالد في تدبير ولده ما لا يلزم نفس الولد ؟ فهلّا جاد مثله فيما ذكرتم .
قيل له : إن كان الوالد إنما أراد منه الشيء لصلاحه ، ومنفعته فلا يجوز أن يلزمه أمر إلا ويلزم الوالد إذا كان بصفة المكلّفين ، ولم يكن مدبّرا ، وإنما لا يلزم الولد ذلك متى كان « 1 » غرض الوالد ، في ذلك الأمر ، دفع الغمّ عن نفسه ، أو دفع الضرر ، فيكون هو المحتاج إلى ذلك الأمر ، دون الولد . ويتغير لأجل ذلك ، فيعتقد الولد نفى الحاجة فيما يعتقد الوالد فيه إثباتها . ومتى تساوى اعتقادهما ، واقتضت « 2 » حاجة الولد حاجة الوالد ، فكما يلزم الوالد يلزم الولد ، إذا ظهر من حالي الفعل ما وصفنا ، وتمكّن الوالد كتمكن الوالد ، ولم يستغن ، بفعل الوالد عن فعله .
فإن قال : فيجب ألا يلزم المكلّف ذلك ؛ لأنه تعالى إذا لطف له في فعل ما كلّفه ، فقد استغنى « 3 » عن فعل نفسه .
قيل له : متى كان في المعلوم ما هذا حاله لم يحسن من القديم تعالى إيجاب فعله عليه ، لاستغنائه بما وقع من القديم تعالى . ومتى علم أن ، في مقدورات العبد ، ما عنده يختار ، ولولاه لم يكن ليختار ، فعند ذلك لا بدّ من الإيجاب .
فإن قال : وكيف يصح ألا يكون في مقدوره تعالى ما يسدّ مسدّ فعل العبد في كونه لطفا ومصلحة ؟
قيل له ؛ قد بيّنّا ، في « باب المعرفة « 4 » أنه لا يمتنع أن يكون الوجه في كون الفعل مصلحة ولطفا أن يكون من قبل العبد ، وأن يتكلف فيه المشقة . وإذا لم يمتنع ذلك لم يقع الغنى « 5 » عن اللطف بمقدوراته تعالى .
وقد بيّنا ، في « باب اللطف » ، أن القديم تعالى ، وإن كان قادرا على ما لا يتناهى في الجنس والعدد ، فكون الفعل لطفا لا يرجع إلى كونه مقدورا ، فلا يجب إذا لم
هامش
( 1 ) سقطت من « ا » .
( 2 ) في « ا » ، « ب » : « واقتضى » .
( 3 ) في « ب » : « استغنا » .
( 4 ) في « ب » : « المصلحة » .
( 5 ) في « ب » : « الغنى » .