أنه لا معتبر بكونهم مؤمنين ، وإنه إنما تعتبر كونهم عقلاء عالمين بما خبّروا عنه باضطرار على ما تقدم ذكره وقد دلّوا على ذلك بأن أسرار الملوك وأخبارهم قد ثبت وقوع العلم بها ، وإن كان لم ينقلها إلا الكفار . وكذلك فقد صح ، في البلاد التي يغلب عليها الكفر أو المذاهب الفاسدة ، أن بخبرهم ، قد نعلم أخبار بلادهم وأخبار ملوكهم .
فقد صح أن اختلاف أحوال الناس في الأديان لا يمنع من أن يعلم ، بأخبارهم ، صحة ما يخبرون عنه ، مما يختصون به ، فيجب ، بهذه الوجوه ، أن يكون الخبر طريقا للعلم ، متى كان المخبرون بالصفة التي ذكرنا ، وأن لا يعتبر ما عداه .
يبين ذلك أنه كان يجب ، لو لم يكن الأمر كما قلناه ، أن يكون في بلاد الكفار لا يعلم « 1 » أهلها أخبار ما قرب منها ، حتى لا يعرف من لم يشاهد محال البلاد محالها بالأخبار ، ولا خبر ملوكها ، وما يجرى فيها من الأمور الظاهرة . وقد علمنا أن ذلك ممتنع فيهم ، كامتناعه في بلاد الإسلام . وليس يمكن أن يقال إن فيهم من لا يغير ولا يبدّل ، مع علمنا أن إظهار الكفر قد شمل جماعتهم ، وكذلك كان يجب ، في بلاد التشبيه والجبر .
وفساد ذلك يبيّن صحة ما قدمناه .
وعلى هذا القول ، يصح التخلص / مما يتعلق به اليهود في نسخ الشرائع ؛ لأنهم يقولون : إنا نعلم من دين موسى ، باضطرار ، أن شريعته لا تنسخ ، فلذلك لا ننظر في معجزات نبيّكم عليه السلام ، كما أنكم لا تنظرون فيمن يدّعى المعجز في هذا الوقت ، لما علمتم من دين محمد ، عليه السلام أنه لا نبىّ بعده .
فنقول لو علمتم ذلك لعلمناه من جهتكم . وعلى قول المخالف لا يصح ذلك ؛ لأنهم كفّار ، وبخبرهم لا يقع للعلم . فيجب أن يجوّز ما ذكروه ، وإن لم يصل إلينا ذلك .
ولولا صحة هذا المذهب لكان ملوك الكفار لا تنكشف لنا أخبارهم وأسرارهم ، لأن الذين يختلطون بهم كفار . وهم الذين ينقلون أخبارهم . والقائل بهذا القول يقارب ؛ في هذا المذهب الفاسد ، قول السمنية ، إذ وقعت الأخبار أصلا .
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل ويبدو الأسلوب مضطربا .