فإن قالوا : بالوجه الثاني .
قيل لهم : فمن أين أنهم قد أبينوا من ذلك الغير ، وما أنكرتم أن هذه الإبانة بمنزلة جرى العادة بأمر ، دون أمر ، إذا تغيرت حالهما في الوجه الّذي تتعلق العادة به ؟ أوليس قد عرفنا أن العلم بالصنائع يقع لمن مارس ذلك ، إذا كان عاقلا ؟ ويبين ذلك من الصبىّ ، وممّن لم يمارسها . وكذلك حفظ المدروس ، إلى غير ذلك ، أفيجب أن يكون ذلك معجزا ؟
فإن قال : لا يجب ذلك ؛ لأن العادة في الأصل جرت بذلك .
قيل له : فكذلك القول في الأخبار .
على أن هذه الطريقة توجب عليه أن العلم الواقع علم لآخر المخبرين ؛ لأنه الّذي أبين من غيره ، من حيث لم يقع العلم إلا عند خبره . وهذا يوجب تعيين الحجة ، وأن العلم يقع عند خبره ، وألا يعتد بخبر من تقدم . وقد أبطلنا هذا القول من قبل .
وقد قال شيخنا « أبو هاشم » ، رحمه اللّه ، إن كان يجوز أن يبان المخبر بالمعجز الّذي هو العلم بصحة خبره ، فهلّا جاز أن يبان بسائر المعجزات ، من إحياء الموتى وإبراء الأكمه والأبرص ، كما نقوله في الأنبياء ، لأنه ليس لبعض المعجزات من الحكم إلا ما لسائره في هذا الباب ؟ وهذا يوجب كونهم أنبياء متى جوّزه ، أو ينقض قيام الدلالة على أن الأنبياء يختصون بالمعجزات . وبيّن أن هذا القول يبطل عليه أنّ المعجز من حقّه أن يبين الرسول من غيره .
قال : ويجب أن يكون من يبان بذلك معيّنا [ حتى ] « 1 » يصح أن يميّز من غيره ، لأنه لا يجوز أن يقال إنه يبان بأمر ولا يتميّز شخصه من شخص غيره ، حتى يعلم بأن الّذي ظهر [ إبانة « 2 » ] له ؛ وهذا ينقض قوله إن الحجة لا يعرف بعينه ، وألزمه أن يعرف بقوله التوحيد والعدل / إذا أخبر عنه ، كما يعرف بقوله صحة ما خبّر عنه من البلدان وغيرها ؛ لأن ما أوجبه أن يبان في أحدهما يوجب أن يبان في الآخر وهذا يوجب الاستغناء عن الأدلة العقلية في هذه الأمور .
هامش
( 1 ) أضفناها حتى يستقيم النص ، وسياق الكلام يرجح أنها سقطت من الناسخ .
( 2 ) في الأصل : « إيمانه » ولا معنى للكلام هنا ، فرجحنا أن تكون « إبانة » وهذا يتسق مع المعنى والسياق .