تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 387

مساهمون:

ص٣٨٧
فإن قال : إن لم يكن للعلم به تعلق فلا بدّ من أن يكونوا ، في سائر أحوالهم ، حجة لنعلم أن الكذب لا يجوز عليهم . قيل له : قد بيّنا أن وقوع العلم بصحة خبرهم يقتضي أن الكذب لم يقع منهم في هذا الخبر ، وبيّنا أن ذلك يغنى عمّا عداه من أحوالهم . فمن أين أن الكذب لا يجوز عليهم ، فيما عدا ذلك ؟ وليس لهم أن يحملوا حالهم على حال الرسول ، صلى اللّه عليه ، الّذي يقول : إن الكذب لا يجوز عليه في غير ما يؤدّيه ، كما لا يجوز عليه فيما يؤدّيه ، على ما دللنا عليه من قبل . لأنا قد بيّنا أن ذلك إنما يجب لكون الرسول حجة فيما يؤديه عن اللّه تعالى . وليس كذلك حال المخبرين ؛ لأن العلم يقع عند خبرهم باضطرار . فخبرهم كالطريق للعلم . فلا يجب أن يعتبر ، في وقوع العلم ، إلا بوقوعه على الطريقة المخصوصة ، دون ما عداه من أحوالهم ، كما أنّ الإدراك ، لما كان طريقا من طرق العلم ، لم يجب في العلم الواقع أن يعتبر سواه . فلذلك يجوز أن يكون واثقا بما أدركه ، مع التباس غيره عليه . على أنا قد بيّنا أن الخبر كالطريق للعلم ، من جهة العادة ؛ فلا يجب ، من الاطراد فيه ، ما يجب في الإدراك . فمن أين أنه يجب في المخبرين أن يكونوا حجة ، من حيث يقع العلم عند خبرهم ؟ وقد بيّنا مفارقة حالهم لحال الرسول ، صلى اللّه عليه ، فيما له حكمنا بأن الكذب لا يجوز عليه . فليس لأحد أن يحمل حال المخبرين ، في هذا الوجه ، على حال الرسل عليهم السلام . فإن قال قائل : إنما نجعلهم حجة من حيث ظهر العلم عليهم / . ومن حق العلم ألا يظهر إلا على من لا يجوز أن يغيّر ويبدّل ، كالأنبياء عليهم السلام . قيل له : إن كان المعجز إنما ظهر عليهم ، لكي يقع العلم الضروري عند خبرهم ، فمن أين أنهم لا يغيّرون ولا يبدّلون ؟ وإنما نقول ، في الأنبياء ، إنهم لا يغيّرون ولا يبدّلون ، لا لمكان المعجز فقط ، لكن لمكان ما تحمّلوه من الرسالة . ولو صحّ ظهور