دللنا عليه ، من أن العادة في الأخبار جارية على طريقة واحدة .
فإن قال : إنه تعالى علم أن الصلاح في أن ينكتم أمر الحجة ، فأجرى العادة بألا يسمع خبره إلا بعد خبر غيره .
قيل له : وما الصلاح في ألا يعرف بعينه ، ليكون أقرب إلى المعرفة ؟ وإذا جاز أن يعرف الرسول بعينه ، ليقصد فيعرف من قبله ما هو حجة فيه ؛ فكذلك القول في الحجة الّذي يعرف الخبر من قبله .
على أن حاله لا تظهر ، وإن اقتربت أحوال الناس فيه :
ففيهم من سمع قبله ، خبر جمع عظيم ، وفيهم من لم يسمع قبله ، إلا خبر عدد يسير ، وذلك يؤدى إلى ما ذكرناه .
فإن قال : لمّا علمت أن العادة في الخبر لا تختلف حكمت في جميعهم أنهم حجة ؛ لأنّ التقدم والتأخر لم يؤثر في وقوع العلم عند سماع خبرهم .
قيل له : كأنك تقول إنهم بمجموعهم حجة واحدة ، أو تقول إن كل واحد منهم حجة .
فإن قال : كل واحد منهم حجة فقد عاد إلى ما قدّمناه ، من أنه كان يجب أن يقع العلم عند خبر آحادهم ، وأن تختلف أحوال المكلفين في العلم الواقع لهم لصحة الإخبار .
وإن قال : إنهم بكمالهم حجة واحدة فقد رجع إلى ما يريده ، وإنما خالف في العبارة ؛ لأنه لا بدّ من أن يجوّز على كل واحد منهم الغلط . وإنما لا يجوز على جميعهم ، ويقول فيهم إنهم يعرفون ما خبروا عنه باضطرار ، أو على بعض الوجوه . وهذا يقارب ما يقوله ، وإن كان قائله مقدّما عليه بالدعوى .
فإن قال : أقول إنهم بكمالهم حجة ، من حيث لا يغيّرون ولا يبدّلون في سائر أحوالهم .
قيل لهم : إذا كان العلم الواقع ، عند خبرهم ، لا يتعلق إلا بصدقهم في الخبر ، فإنما يجب أن يحكم أنهم بكمالهم كالحجة الواحدة في الخبر خاصة ، دون ما عداه مما لا تعلق للعلم به .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 386
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٦