وبعد ، فيجب ، على طريقة هذا السائل ، أن يميز ، فيما علمه بالأخبار ، بين المخبر الّذي علم عند خبره بعينه ، وبين غيره من المخبرين ، ممن لم يعلم عند خبرهم ، وإلا أوجب ذلك التباس الحجة بغيره ، على ما سأل عنه .
فإن قال : إني أقول إن العلم يقع عند الحجة ، ولا بدّ من تميّزه من غيره ببعض العلامات ، كما أقوله في النبي ، عليه السلام .
/ قيل له إن كنت تعنى بالحجة الإمام ، الّذي لا يكون عندك في الزمان إلا واحدا ، فيجب أن لا يعلم ما به يتبين من غيره إلا من جهته ، وأنت لا تعلم الشيء من جهته إلا وقد علمت ما به يبين من غيره ؛ وهذا يوجب أن لا يعلمه حجة أصلا .
وعلى هذا الوجه ، قلنا للإمامية : إذا قالت إن الحجة لا تكون إلا من قبل الإمام ، فيجب أن لا يعلم النص عليه إلا من قبله ؛ وما لم تعلمه لا تعلم ذلك ، ويؤدّى إلى أن لا نعلمه أصلا .
فإن قال : إنا نعلم الحجة ، فيما يتميز به من غيره ، بالمشاهدة ، ثم نعلم صحة إخباره .
قيل له : فمن لم يشاهده يجب أن لا يعلم بالإخبار شيئا ؛ وهذا يوجب أن ذلك الحجة يشاهده كل العقلاء في وقت واحد ، أو أوقات متقاربة ، ليصحّ أن يعرفوا مخبر الأخبار ؛ وإن لم يلق بجميعهم أن لا يعرف أحد صحة الأخبار سوى من لقيه وشاهده . وقد علمت فساد كلا القولين ؛ لأنه لا يمكنهم أن يقولوا ، في الحجة ، إنه يوجد في أماكن ؛ لأنه شخص وجسم ، ولا يصح كونه في أماكن في حالة واحدة .
على أن الأمر لو كان كذلك لما صحّ في الخبر أن يعتبر في وقوع العلم عنده ، بأن يكون واقعا من جماعة ، على ما دللنا عليه ، بل كان يجب أن يعتبر وقوعه من الحجة فقط ؛ وأن يكون وجود سائر الأخبار كعدمه ، وإن كثر المخبرون ، وأن يكون هذا الخبر يقتضي العلم ، اقترن غيره به من الأخبار أو خلا منه . وقد دللنا على فساد ذلك .
وبعد ، فإن من حق الحجة أن يتقدم معرفته العلم بأحوال الأنبياء ، وأحوال المعجزات ، إلى غيره ؛ فكيف يصح أن يدّعى أن العلم إنما يقع بخبره ، مع أنه لا بدّ من أن يكون العلم به فرعا على العلم بالأخبار ؟
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 384
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٤