عند قول النبي ، يقع اضطرار ما كان يجب أن يبين من المتنبي بالإعجاز ؛ بل كان العلم الضروري يغنى . وكذلك القول في المصيب من القائلين . وإنما أوجبنا ما سألت عنه ، من حيث كان العلم يكتسب بالدليل . فلا بدّ من أن يتميز مما ليس بدليل ، حتى ينظر الناظر فيه على وجه يؤدّيه إلى المعرفة ؛ وذلك لا يتأتى في أحد الخبرين دون الآخر .
وبعد ، فلو كان حال هذا الخبر ما ذكرته ، حتى ينزل منزلة ما يستدل به ، لوجب أن يعرف حال المخبر ، وأنه يتميز ، بما هو عليه ، من غيره من المخبرين وهذا مما لا يصح في الأخبار التي يقع عندها العلم باضطرار ؛ لأنا لا نعرف المخبر الّذي يقع العلم عنده بعينه ، فضلا عن أن نعرف حاله ، وأنه يتميز من غيره .
فإن قال : إن كان الأمر كما زعمتم فيجب ، فيمن وقع له العلم عند الخبر ، أن يجوّز كون الخبر كاذبا ؟
قيل له : لا يجوز ذلك ، لأنه ، بالعلم الواقع له ، قد علم أن مخبره على ما تناوله ، فكيف يجوز ذلك ، وسبيله سبيل المخبر له عمّا يدركه ، أنا نعلمه صادقا ، وإن لم يكن عالما ، من حيث استدل بخبره ؟
فإن قال : فيجب أن تجوزوا أنه غير عالم بما خبّر عنه ، أو أنه خبر على وجه يقبح منه ، بألا نأمن كونه كاذبا .
قيل له : ما لم يستدل بالوجه ، الّذي قدمناه من قبل ، يجوز ذلك ؛ لأن الّذي يقطع به من صحة الخبر أن ذلك صدق .
فأما ما عدا ذلك [ فإنه ] نجوزه ، حتى يستدل ، فنعلم أنه لا بد من أن يعلم ما خبر عنه باضطرار من الوجه الّذي تقدم ذكره .
فإن قال : أليس ذلك يؤدى إلى أن يجوز أن يعلم باضطرار من قبل الخبر ، والمخبر لا يعلم ذلك ؟
قيل له : قد بيّنا أن ذلك يجوز عند الخبر إلا أن يستدل على ما قدّمناه . فمتى استدل لم يجوّز ذلك .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 383
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨٣