على أن الخبر إنما يوجب العلم إذا كان المخبرون عالمين بما خبروا عنه باضطرار .
وليس كذلك حال السبعين ؛ لأنهم إن نقلوا ما سمعوه فقط لم يكونوا قد أقاموا الحجة ، لأن الكلام المتعارف ، كما قد يكون واقعا من قبله تعالى ، فقد يكون واقعا من قبل غيره ؛ لأنه مما يقدر غيره عليه .
ومتى قالوا : إنهم ، كما نقلوا الكلام ، نقلوا ما قارنه من المعجز . فلذلك كان نقلهم حجة .
قيل لهم : فالمعجزات التي ظهرت على موسى ، من قبل ، قد أغنت عن ذلك . فمن أين أنّ خبرهم هو الحجة .
وبعد ، فإنما يقع في نقلهم الفائدة متى نقلوا الجواب عمّا التمسوه ؛ وإنما التمسوا ذلك من جهته تعالى . فلا بدّ من نقل الجواب الواقع منه تعالى . ولا يكون ذلك جوابا إلا من جهة الاستدلال ؛ لأنه ، تعالى ، إذا لم يعرف باضطرار فبألا يعرف قصده في الكلام إلى أنه جواب ، وخطاب ، وخبر أولى . فإذا ثبت أن السبعين لم يعلموا ذلك إلا بالاستدلال ، فكيف يقع العلم بخبرهم ، [ مع ما ] دللنا عليه ، من أن العلم إنما يقع بخبر المخبرين ، إذا كانوا مخبرين عما علموه باضطرار ؟
فإن قال قائل : إنا نجعل العلم واقعا بخبر من هو حجة لا يغيّر ولا يبدل ، حتى يتميز من يقع العلم بخبره من غيره بهذه الصفة ، كما يتميز الرسول من غيره بذلك ، أو نقول إن العلم يقع بخبر الواحد أو الجماعة ، لا لأمر يرجع إلى الخبر نفسه ، لكن لأنه يقارنه بعض الأسباب والأمارات ، أو تتقدمه مقدمات ؛ فكيف يصح إبطال قولنا بما ذكرتموه ؟
قيل له : إنّا لم نقصد إلى فساد هاتين المقالتين بما أوردناه من الكلام ، وإنما أبطلنا به قول من يسلك في الأخبار المسلك الّذي بيّناه ، من أن ذلك العلم إنما يقع بخبرهم على جهة الاضطرار ، لا لأنهم حجة ؛ وعلى طريقة العادة ، ولا يحتاج في وقوع العلم إلى أمر سوى خبرهم . فقد اتضح الكلام بما أوردناه . ونحن نبين فساد ما ذكرته من المذاهب الآن في فصل مفرد ، إن شاء اللّه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 381
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣٨١