فإن قال من يحدّ « 1 » في ذلك بالسبعين : هلا جعلتم ذلك حدّا ، لما ثبت من أن موسى عليه السلام عند الميقات « 2 » أحضر هذا القدر ؛ وإنما أحضرهم ، لكي يقيموا الحجة على قومه عند الرجوع إليهم ؛ لأنه سأل ربّه ، جل وعز ، الرؤية لأجل قومه . فكانت البغية ، بإحضاره إياهم ، إقامة الحجة عليهم بما يسمع من كلامه تعالى في الجواب . وهذا يبين أن هذا العدد هو الحد .
قيل له : إن هذا الدليل يثبت الحكم لهذا العدد من غير أن ينفى عمن فقد عنه .
فمن أين أنه لا يقع العلم إلا بخبر السبعين ؟ وقد علمنا أن فعل موسى ليس كالعموم الّذي يدعى أنه متناول لجميع ما دخل تحته ؛ فلا بدّ من أن يكون واقعا على وجه واحد . فكما يجوز أن يقال : إنه قصد ما ذكرتم ، فقد يجوز أن يقال : إنه قصد المبالغة والتأكيد ، وأنّ ، بدون ذلك القدر ، قد تقوم الحجة ، لكنه بالغ في ذلك ، كما أن الحجة تقوم بقوله لقيام الدلالة على صدقه ، ومع ذلك أكد الأمر بإحضارهم ، فكما أن الحجة تقوم عليهم / ، فيما سألوه من الرؤية ، بأدلة العقل - ومع ذلك ، أراد المبالغة في الحجة بنفس المسألة فكذلك القول في نقل الجواب إنه أراد المبالغة بالإكثار ممن تقوم ، بخبره ، الحجة . فمن أين أن هذا القدر من العدد هو الحد ؟
وبعد ، فمن أين أنه أحضرهم لهذا الوجه ، دون أن يقال : أحضرهم ليقوّى بصائرهم بما يسمعون ، فيزول عنهم خوف الشك والشبهة في المستقبل ، ويصيروا دعاة لغيرهم إلى ما عرفوا ؛ لأن من حق المتقدم في الفضل والعلم أن يتبعه غيره ؛ فكانت هذه صفة السبعين . ولذلك أحضرهم الميقات ؟
على أنه ، عليه السلام ، كما أحضرهم ، قد حضر هو . فلم جعل الحدّ في ذلك السبعين ، دون ما زاد عليه ؟
هامش
( 1 ) في الأصل : « بحد » ، ونرجح أنها يحد ، مما يؤيده السياق .
( 2 ) يومئ إلى قوله تعالى :وَلَمَّا جاءَ مُوسى لِمِيقاتِنا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قالَ لَنْ تَرانِي وَلكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكانَهُ فَسَوْفَ تَرانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسى صَعِقاًالآية . سورة الأعراف آية 143