يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ
« 1 » . ومن حق الجهاد أن تتقدمه إقامة الحجة . فلولا أنّ ، بقولهم ، تقع المعرفة بالمعجزات وغيرها ، لم يتعلق فرض الجهاد بهذا العدد .
قيل له : إن الجهاد قد يجب على الواحد إذا كان مليئا « 2 » بمقاومة من حضر من العدو ، وعلى الاثنين والثلاثة . فإن كان ما ذكرتموه يوجب ، في العشرين ، بأن يقطع على وقوع العلم بخبرهم ، فيجب مثله في الواحد . ومتى قال ، في الواحد والأربعة ، إن ذلك لا يجب ، لما قدمنا ذكره من الأدلة ، فقد نقض قوله ؛ لأن الدليل الّذي أورده سوّى بين حال العشرين وحال الواحد ، ولا يصح في الأدلة الاستثناء « 3 » .
فإن قال : إن الآية قد دلت كدلالة العموم ، فلا يمتنع التخصيص فيها :
قيل له : استدلالكم لا يتناول الظاهر ؛ وإنما تعلقتم بضرب من الاستدلال ضممتم إليه ، وهو إيجاب الجهاد الّذي من حقه أن يتبع إقامة الحجة ، فلزمكم ، على هذا الاستدلال ، ما قدّمناه .
وبعد ، فقد كان يجب أن يقطعوا أن ، بخبر خمسة ، يقع العلم ، كوقوعه بخبر العشرين ، لما قدّمناه . وفي هذا إبطال تخصيص العشرين بهذا الحكم .
على أنّا ، وإن سلمنا أن الجهاد يتبع إقامة الحجة ، لأنه جار مجرى العقوبة على التكذيب بمحمد ، صلى اللّه عليه وسلم ، والخروج عن الشرائع ، إلى ما شاكله ، فلسنا نسلّم أن فرض الجهاد يتعلق عن تصدر المعرفة عنه ؛ لأنه لا يمتنع أن تكون المعرفة قد تقدمت ، أو صدرت عنه وعن غيره ؛ فكيف يمكن التعلق بما قالوه ؟
على أن الأمر بالضد مما قالوه ؛ لأنه إنما تلزم مجاهدة من تقدمت معرفته بالمعجزات ، فكذّب بها . ومتى لم تتقدم فغير جائز للمجاهد أن يجاهد ؛ بل الواجب عليه أن يقيم الحجة أولا . فإن تمت ، وإلا فواجب عليه التوقف .
هامش
( 1 ) سورة الأنفال آية 65
( 2 ) الملئ هو الغنى المتمول وجمعه الملآء . والمراد هنا « القادر »
( 3 ) في الأصل : « الاستبتا » .