فإن قال : إذا جاز في الخبر أن يقوّى العلم كالإدراك ، فهلّا جاز أن يؤثر فيه ، وإن كان حالا لغيره ؟
قيل له : إنما قوّى العلم لأنه قد صار ، بالعادة ، طريقا له ، وتكرّر ذلك فيه ، وصار مبنيا على الإدراك ، فقوى العلم لأجله ، كما يقوى العلم بالمدرك بعد تقصّى الإدراك ، لكونه مبنيا على الإدراك . وقد يقوى العلم بالنظر إذا تكرر منه في أدلة الشيء ، لمّا كان لكل واحد منه مدخل في إيجاب العلم . فكذلك ، لما كان كل واحد من الخبر ، لو تأخر لاقتضى العلم ، لم يمتنع أن يقوى به العلم . وكل ذلك لا يوجب أنه طريق للعلم ، كما قلناه في الإدراك .
وبعد ، فلو كان كذلك لوجب أن يكون المعتبر بحال المخبر الأخير ؛ لأنا لا نعتبر سواه في وقوع العلم وقوته . وإن جعلنا خبر من تقدم محتاجا إليه ، فكان يجب ، على هذا القول ، أن يكون هو المعتبر في كونه طريقا . وذلك يوجب أن يقع الغنى به عمن تقدم ، كما يقع الغنى بالإدراك ، مرة واحدة ، عن تقدم غيره .
فإن قال : ما أنكرتم ألّا يجب التوقف في خبر خمسة ؛ لأنا قد نسمع منهم الخبر ، ولا تقع لنا المعرفة ؛ وكذلك في كل عدد يقارب الخمسة .
/ قيل له : قد بيّنا أن ذلك مما لا يصح اعتباره ؛ لأنا لا نقول بذلك إلا فيمن له صفة مخصوصة . فلو علمنا من حالهم أنهم عالمون بما خبّروا عنه باضطرار ، ثم لم يقع لنا العلم ، لأمكن ما ذكرته . ولو علمنا ذلك لأغنانا علمنا عن خبرهم ؛ لأنّ من لم يعلم غيره عالما بأمر مخصوص لا بدّ من أن يكون عالما بذلك الأمر ، وإذا بطل ذلك فمن أين أن نجد خمسة ، لا يقع لنا العلم ؟ ولذلك اعتمدنا ، في خبر الأربعة وما دونه ، على دليل السمع ؛ لأن اختبار العادة في ذلك يتعذر .
فإن قال : إن السمع قد دلّ على ما نذكره من العدد ، في هذا الباب ؛ لأنه تعالى علّق المجاهدة بعشرين من العدد في قوله تعالى :
إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ