تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 374

مساهمون:

ص٣٧٤
قيل له : فقد كان يجب أن يولّد وحده ، على ما يقتضيه سؤالك ، وقد علمنا الحاجة إلى تقدم الإخبار ، كما علمنا الحاجة إلى تقدم حروف هذا الخبر . وبعد ، فقد علمنا أن المخبر الأخير ، لو رخّم ، وحذف بعض الكلام ، أو اقتصر على بعضه دون بعض ، وفهم المخاطب ، لوقع له العلم . ولو وقعت المواضعة على بعض الحروف ، في هذا الخبر ، كوقع العلم ؛ ولأنا قد بيّنا أنه لا معتبر بالعبارة المخصوصة في هذا الباب ، وأن اللغات تتفق في ذلك ، وهذا يسقط ما سأل عنه . وهذا أحد ما يدل على أصل المسألة ؛ لأنه لو كان مولّدا لوجب أن يولّد الخبر العربىّ في قلب الأعجمى ، كما يولّده في قلب العربي ؛ لأن التوليد لا يختلف لأجل اختلاف أحوال من يتولد ذلك فيه ، كما نقوله في الضرب وغيره ، وفي علمنا أن العلم يقع لمن يفهم الخبر ، ويعرفه ، دون من لا يعرف تلك اللغة ، دلالة على ما قلناه . وهذا يدل ، من وجه آخر ، على فساد قولهم . وذلك أن الخبر ، لو ولّد لم يحتج ، في توليده ، إلا إلى وجود الحروف . فكان يجب أن يولّد ، وإن لم تتناوله الإرادة ؛ لأن التوليد إليه يرجع ؛ إما لمجموعه أو إلى آخر حرف فيه . وهذا يوجب وقوع العلم عنده ، وإن لم يكن خبرا ؛ بل كان المتكلم ملغزا ، معمّيا ، مريدا به غير ما وضع له . وفساد ذلك ظاهر . وليس لهم أن يقولوا : أليس الخبر يقتضي الظن بجملته ، إذا وقع على الصفات التي ذكرتموها ؟ فهلّا جاز مثله في إيجابه العلم ؟ وذلك لأنّا لا نجعله موجبا للظن . ولو قلنا بذلك للزمنا سائر ما ألزمناه من قال بإيجابه العلم . وذلك يسقط هذا السؤال . وإنما نقول إنه يقتضي الظن ، لأنه يصير أمارة . ومن حق الأمارات ألّا يمتنع / ألّا يتعلق هذا الحكم فيها إلا إذا كانت جملة ، وواقعة على صفات مخصوصة ، كالأدلة . وذلك لا يتأتى لمن خالف في هذا الباب . وبعد ، فكيف يجوز أن يكون الأمر ، الّذي يختلف بالمواضعة ، والتواطؤ ، والأخبار ، وقد يكثر ويقل بحسب ذلك ، يقال إنه يولّد ، مع علمنا بأنه قد يختلف جنسه
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 374 | القاضي عبد الجبار الهمذاني