فإن قال سائلا ، في الكلام الأول : إنما نكذّب من يخبرنا بأنه لا يعرف في في الدنيا مكة ، مع المخالطة وسماع الأخبار ، لأنا نعلمه بأنه « 1 » جاحد لما يعلمه باضطرار .
قيل له : ومن أين لك أنه يعلم ذلك ، فتعده جاحدا / ، إذا جاز عندك أن تختلف العادة في الأخبار .
فإن قال : إن العادة ، في هذه الأمور الظاهرة ، لا تختلف .
قيل له : ومن أين لك أنها لا تختلف ؟ فلا طريق له إلا أن يقول : « لمّا علمت من نفس ذلك علمت أن حال غيرى كحالى » . فهذا هو الّذي بيّنا أن القليل والكثير فيه لا يختلف .
فإن قال : أليس أحدكم قد يحفظ ، عند قدر من الدرس ، ولا يجب أن يحكم على غيره بمثله ؟
قيل له : هذا يقوّى ما قلناه ؛ لأن العادة ؛ لمّا اختلفت فيه ، لم يحكم على الغير بمثل ما وجدناه من أنفسنا . فلولا أن حال الخبر ما ذكرناه لم يجب ذلك .
فإن قال : إذا قلتم إن العادة في ذلك متفقة لزمكم ألا يكون بينه وبين الواجبات من الأمور فرق ، وأنتم قد اعتمدتم ، في أصول كثيرة ، على أن الموجب من الأمور هو الّذي يجرى على طريقة واحدة ، وما طريقه العادة هو الّذي يختلف ، ولا يجرى على طريقة واحدة .
قيل له : إنا ، وإن قلنا في هذا الخبر إنه يجرى على طريقة واحدة ، فقد فارق حاله حال الموجبات في وجوه كثيرة ؛ لأنا نحكم ، في مثلهم ، أن العلم لا يقع بخبرهم إذا لم يكونوا عالمين أو كانوا عالمين من جهة الاكتساب ؛ ولأنا نقول إنه يقع عند آخر المخبرين دون أولهم ، والحال واحدة ، إلى غير ذلك من الوجوه التي نعلم بها أن طريقه العادة . وليس كذلك حال الموجبات ، لأنها تجرى على طريقة واحدة في الوجه الّذي يقتضي فيه الإيجاب .
وهذا فرق واضح بين الأمرين .
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .