تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 369

مساهمون:

ص٣٦٩
عرفنا أنّا قد نصدق من خبّرنا بأن ذلك لا يحصل عند وطئه ، وإن كثر ، وكذلك الحال في جماعة من الناس . فكذلك كان يجب مثله في الأخبار . واعلم أن الأصل الّذي يزيل كل شبهة وشغب في هذا الباب ، مما يمكن إيراده على ما تقدم ، هو الطريقة التي نذكرها الآن . قد ثبت أنه لا طريق لمعرفة أحدنا بحال غيره ، في باب المعارف ، إلا بأن يعرف حال نفسه فيها ، ثم يبنى عليه حال غيره ؛ لأنه لا يجوز أن يحصل له العلم ، ابتداء ، بأن المعرفة قد حصلت لغيره ، عن سبب وطريق ؛ وإنما يجوز أن يعرف ذلك إذا عرف حصول معرفته / ، عن سبب وطريق ، وعلم أن ذلك مستمر . فيعلم ، عنده ، أنّ حال غيره كحاله في هذا الباب . فلا بدّ من أن يعلم حال نفسه ، ابتداء ، وأنه إنما عرف ، عن سبب وطريق ، وأنه في حكم الواجب عند ذلك السبب والطريق . فإذا تكاملت معرفته بذلك ، باضطرار واستدلال ، علم ، عند ذلك ، أن حال غيره كحاله ؛ فيكذّبه إذا جحد المعرفة ، مع مشاركته له في طريق المعرفة . يبين ذلك أنا لمّا علمنا أنا نعرف عند المدركات ، مع سلامة الأحوال ، علمنا من حال الغير ذلك ، وكذّبناه إذا ادعى خلافه . وعلى هذا الوجه ، بنينا الكلام في وجوب وقوع المعرفة عن النظر في الدليل المعلوم ، لأنا ، لمّا عرفنا من أنفسنا وجوب ذلك ، علمنا أن حال غيرنا كحالنا ، إذا نظر على الحد الّذي نظرنا . ولولا ذلك لم يصحّ أن نعلم أن النظر يولّد المعرفة . وعلى هذه الطريقة ، علمنا أحوال الأدلة في سائر ما يدل عليه « 1 » . ولو لم نحكم لصحة هذا الأصل لم نعلم أن الدليل والعلل لا يختص ؛ وجوّزنا في الضروريات خلاف ما قررناه ؛ وكنا لا نأمن ، في كثير من العقلاء ، أنهم لا يعرفون المشاهدات ، مع سلامة أحوالهم ، ولا يعرفون الجلىّ مما تقدم إدراكهم له ، إلى غير ذلك .
هامش
( 1 ) هكذا في الأصل .