تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 353

مساهمون:

ص٣٥٣
وهو أمارة الخوف ، مع سلامة العقل ، علم أن النظر واجب : إما باضطرار ؛ أو لأجل المعرفة الأولى ؛ أو بنظر مستأنف . وكل ذلك ما لا ينفك العاقل منه . وليس كذلك الحال فيما ذكرتموه ؛ لأن ما معه يستدل بالخبر ، وهو المعرفة بحال ، يرجع فيه إلى عادة وتأمل مطلق : وليس ذلك من كمال العقل . وهذا بين في التفرقة بين الأمرين . فإن قال : لو كان العلم باضطرار لوجب أن يكفى الخبر الواحد ولا يستغنى عن التكرار ، وإنما تصح الحاجة إلى التكرار إذا كان مكتسبا ، لأن معه تتكامل طريقة الاستدلال . قيل له : قد أجبنا عن ذلك فيما تقدم ، وبيّن أن العلم يقع عنده بالعادة ، فلا يمتنع ألا يقع من جهته ، تعالى ، إلا على شروط على حسب ما تقتضيه المصلحة ، وسائر ما قدّمناه من الأسئلة إذا أورده ، فالجواب عنه ما تقدم في الفصل الأول « 1 » . وإن قيل : إنكم ، في أجوبة كثير مما سألناكم عنه ، في هذا الباب ، عوّلتم على أن العلم الواقع بالإخبار طريقه العادة ، فكيف يصح ذلك لكم ، وما طريقه العادة يجوز أن يختلف بالأوقات والأماكن ؟ وليس كذلك حال هذا العلم ، لأنا نجوّز خلاف ذلك في بعض الأزمان ، ولا في بعض البلاد ؟ / وقد علمتم أن ما طريقه العادة لا يقف عند حدّ مخصوص ، بل يختلف ذلك ، نحو الشبع ، والرىّ ، والحفظ عند الدرس ، ومعرفة الصنائع عند الممارسة ، إلى غير ذلك ، فيجب أن تجوّزوا مثله في الخبر . وما طريقه العادة فقد تختلف أحوال العقلاء فيه ، مع كمال عقولهم ، فيجب أن تجوّزوا في العاقل المخالط للسامع للأخبار ألا يعقل عند المشاهدات . قيل له : إن وقوع العلم ، عند المتكرر من الخبر ، إذا وقع من المخبرين ، يدلّ على أنه بالعادة ؛ لأنه لو كان واجبا لوجب وقوعه عند هذا الخبر ، وإن لم يتقدمه غيره ؛ ولوجب وقوعه عند مثله ، كما يقع مثل ذلك في باب العلم بالمدركات ؛ لأنه لمّا كان واجبا حتى لا يجوز مع كمال العقل خلافه لم يجب ألا يحصل إلا بعد التكرر مع سلامة الأحوال .
هامش
( 1 ) انظر : فصل في بيان حقيقة الخبر وحده ص 319 .