تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 350

مساهمون:

ص٣٥٠
دون فريق فإنما يجب أن يتساوى في سماعه من استوى في مخالطة ذلك الفريق وسماع ذلك القبيل من الخبر . فأما من ليس هذا حاله فليس يجب ذلك فيه . ولهذا الوجه لم يجوّز في العقلاء من لا يعرف البلدان الظاهرة ، وجوزنا في كثير منهم أنه لا يعرف غزاة رسول اللّه ، صلى اللّه عليه ، يوم بدر وحنين إلى ما شاكل ذلك . ويختلف هذا الباب بحسب قرب العهد وبعده ، وكثرة الخبر وقلته ؛ لأن العامة بالبصرة تعرف من حال « الجمل » ما لا يعرفه غيرهم ، من حيث كانت الكائنة عندهم وفيهم ، وهذا بيّن . وليس لأحد أن يقول إن العقلاء لا يدعون النظر في ذلك ، لأنه لا داعى لهم إلى تركه ، والكفّ عنه ، وذلك لأن الأصل في القادر ألا يكون فاعلا لما يشقّ عليه ، ولا يحتاج ، في ألا يحصل فاعلا لذلك ، إلى دواع ؛ وإنما يحتاج ، في إيجاد ما يشق عليه ، إلى الدواعي . وقد كان يجب في العقلاء أن يجوز أن تختلف حالهم في الداعي إلى النظر في الأخبار على ما ذكرناه . وبعد ، فلو صحّ ما قاله كان لا يجب أن يتساووا في المعرفة ، لأن بعضهم كان لا يمتنع أن يمتنع ولما عرف من حال الخبر ما يعرف به أنه حق وصحيح ، وذلك يسقط ما قاله . فإن قال : إن العقلاء لا بدّ من أن ينظروا ، كما لا بدّ ، عندكم ، من أن ينظر الإنسان في الأمور الظاهرة ، نحو قولكم إن العاقل لا بدّ من أن يعلم الفرق بين المتحرك والساكن ، وإن كان العلم بأنه متحرك طريقه الاكتساب على القول الأول لأبى هاشم . قيل له : إنا لا نمنع في النظر ما هذا حاله ، نحو ما سألت عنه ، لو قدّر أن العلم به مكتسب ؛ لأنّ من كمال العقل أن يعرف ، في الجملة ، الفرق بين أن يكون كما كان في المكان ، أو زال عنه ، فبطلت عند ذلك علته وسببه . وليس كذلك حال الخبر ؛ لأن التفرقة فيه ليست من كمال العقل ، ولا دواعي النظر ، مما لا ينفك العقل منه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 350 | القاضي عبد الجبار الهمذاني