تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 352

مساهمون:

ص٣٥٢
العلم أنه مكتسب ، مع أنه لا يمكنه أن ينفيه عن نفسه على وجه ، كما لا يمكنه مثل ذلك في المدركات . ومتى قال القائل : إنما لا ينفى ذلك عن نفسه ؛ لأن الشبه لا تتأتى فيه قلنا له : إن من حقها أن تتأتى في كل علم مكتسب بالأدلة . ومتى قال : إنه لا ينفيه عن نفسه ، وإن كانت الشبهة متأتية ؛ لأن من كمال العقل العلم بحال الدليل ، والشبهة لا تتجه عليه . قلنا له ما تقدم ، من أن ذلك ليس من كمال العقل ، وأنه بخلاف ما ذكرناه من الأمور الظاهرة . على أنا نجوّز في كل علم مكتسب ، على بعض الوجوه ، دخول الشبه فيه ، كان من قبيل الظاهر أو من قبيل الغامض . فيجب أن يجوّز القوم مثل ذلك في الأخبار عن البلدان والملوك . ومتى جوّزوا ذلك لم يمكنهم أن يثبتوا أن اليهود والنّصارى غير معذورين ؛ بل يلزمهم أن يجوّزوا ألّا يكونوا عالمين بالمعجزات البتة ، ولا بالتحدى ، ولا بسائر هذه الأمور . وكان يجب ، على هذا القول ، ألّا نتشاغل مع القوم بإثبات المعجزات ؛ بل نبتدئ أولا بالدلالة على إثبات الرسول ، وأنه الّذي كان بمكة ، وهاجر إلى المدينة ، وأظهر القرآن ، وتحدّى ، وهذا ركيك من القول . وقد ذكر شيخنا « أبو علي » ، رحمه اللّه ، أنّ من حق الضروري أن يكون أثبت في القلب ، وألزم له ، وأوضح من المكتسب ، وبيّن أن هذه الطريقة واجبة . ثم قال : فلو كان العلم بمخبر الأخبار طريقه الاكتساب لوجب أن يكون العلم بأحوال المخبرين ، وما منه يصحّ أن ينظر فيه ويعلم المخبر ، أقوى من العلم بنفس البلدان . وقد علمنا من أنفسنا أن العلم بالبلدان والملوك أقوى من جميع هذه المعارف التي جعلوها كالطريق لهذا العلم . وهذا يبيّن أن هذا العلم ضروري ، وليس بمكتسب . فإن قال : إنا نقول ، في هذا العلم ما تقولون في العلم بوجوب النظر عند ورود الخاطر . فإذا كان لا بدّ من أن يعلم وجوبه ، ويتأمل حاله ، فكذلك القول فيما قلناه . قيل له : إنّ من كمال العقل العلم بوجوب التحرّز من المضار . فإذا ورد عليه الخاطر ،