فصل في الدلالة على أن في الأخبار ما يكون طريقا للعلم
قد حكى الناس عن السّمنية « 1 » أنها تقول في الأخبار عن البلدان والملوك وغيرهما إنها ليست « 2 » صحيحة ، ولا يقع العلم بصحتها ، وإنما لعلم الإنسان ما يشاهده . فأما أن يعلم صحة القول ، الّذي كذبه لا يتميز من صدقه للسامع ، فمحال . ولو جاز أن يقال إنه يعلم صحته « 3 » ، وإن كان لا يتميز في سائر الصفات مما يجوز أن يكون كذبا ، لجاز أن يقال في التقليد إنه حق ، وإن كان المقلد لا يتميز ، إذا كان محقا ، من المبطل
/ قالوا : ولو كان الخبر طريقا للعلم لكان أوله هو الطريق دون ما بعده ، فكان يستغنى عن تكرره على السمع ؛ بل كان يجب أن يكون ، لو وقع العلم عند آخره ، ألا يعتبر بما تقدم ، فكان يجب وقوع العلم عند خبره ، وإن كان مبتدئا بالخبر .
ويجوز أن يقوّى ذلك بأن الإدراك لما كان طريقا للعلم لم يجب ، مع السلامة ، أن يتكرر .
فكذلك كان يجب في الخبر .
ويجوز أن يقولوا : لو كان طريقا للعلم لوجب مثله إذا خبّروا عن مكتسب ، كما أن النظر في الدليل ، لمّا كان مؤديا إلى العلم ، لم يختلف حال ما يعلم باضطرار مما يعلم باكتساب .
ولو جاز أن يفصلوا في الخبر بين الأمرين لصحّ لعبّاد أن يفصل في الدلالة بين الأمرين .
ويجوز أن يتعلقوا بأن المخبر ، قبل أن يسمع خبره ، يجوز أن يكون كاذبا وصادقا .
فكيف يصح ، مع هذا التجويز قبله ، أن نثق بأنه صدق بعد وقوعه ؟ ولو جاز ذلك فيه لجاز في قول الرسول أن يوثق بصحته قبل ظهور المعجز .
ويجوز أن يقولوا : إذا جاز في ذلك الخبر أن يعارضه خبر بخلافه ؛ لأن غيرهم
هامش
( 1 ) السمنية قوم من الهنود الذين يقولون بقدم العالم ، وبأنه يمر بدورات تتكرر إلى ما لا نهاية له ، وهم من القائلين بتناسخ الأرواح .
( 2 ) في « ب » : « كتب » .
( 3 ) في « ب » : « حجته » .