فإن قيل : هلّا شرطتم أن يكونوا عقلاء مكلّفين ؟
قيل له : لا دليل على ذلك من حالهم ؛ فلا يصح أن يثبت شرطا . فلو قال قائل :
« إن من لم يبلغ حدّ التكليف ، إذا قارب ذلك ، وعرف المشاهدات ، وخبّر عنها ، وقع العلم الضروري بخبره » ، لم يكن في الأدلة ما يمنع من ذلك .
فإن قيل : فهلّا شرطتم في سامعى الخبر أن لا يكونوا عالمين بما خبّروا به ، كما تشترطون في الاستدلال أن لا يكون المستدل عالما « 1 » بما يدل الدليل عليه ؟
قيل له : إنّ الّذي ذكرناه قصدنا به بيان الشرائط في المخبرين . فأما المخبر فلا يمتنع فيه ما ذكرته ؛ لأنه إذا شارك المخبر في العلم بذلك خرج الخبر من أن يكون طريقا .
يبين ذلك أنّا قد قلنا في الإدراك [ إنه طريق العلم ، ولا يصح أن يكون كذلك في العالم لنفسه « 2 » لوجوب كونه عالما . ولم يبعد أن يكون الإدراك « 3 » ] ، إذا تكرر لا يتجدد العلم ؛ بل العلم الأول يكفى في ذلك ، إن صح القول ببقاء العلم .
فكما لم يمتنع ، في الإدراك ، أن يشترط هذا الوجه على السبيل الّذي ذكرناه ، فكذلك القول في الخبر . وإنما نقول فيما نعرفه باكتساب ، إذا شاهدناه ، إنا نعرفه باضطرار ، لمزية هذا العلم على العالم الحاصل « 4 » فلا بدّ من أن يكون الإدراك مؤثرا فيه .
ولا يصح مثله في الأخبار ؛ لأنه ، إذا شارك المخبر في مشاهدة ذلك ، أو فيما يجرى مجراه فهذا العلم أقوى من الواقع عن الخبر .
يبين ذلك أيضا أن العلم الواقع عن الخبر يجرى مجرى العلوم الجملة . وإذا كان السامع قد شارك المخبر يكون قد حصل له العلم على طريق التفصيل . ومن حق العلم على طريق الجملة أن لا يؤثر مع العلم المفصل .
هامش
( 1 ) في « ا » ، « ب » : « عالم »
( 2 ) يريد به اللّه سبحانه .
( 3 ) يوجد في هامش « ا » .
( 4 ) هكذا في « ا » ، « ب » والمعنى غير واضح . ولعل هنا سقطا تقديره : [ بالخبر ] ، وهذا ما يوجبه السياق :