ما يناسب الفعل المخصوص الشرعي ، كما أن في العقل ما يناسبها . فإذا جوزنا في الصلاة أن تكون لطفا في بعض العقليات ، فما الّذي يمنع أن يكون بعضها لطفا في بعض ، أو جميعها لطفا في الحج ؛ لأن القطع على « 1 » ذلك ، إذا كان إنما يمكن بالدليل ، فلا بدّ من التجويز مع فقد الدليل ؟ وقوله تعالى « 2 » ، منبّها على وجه كون الصلاة لطفا : « إنّ الصّلاة تنهى عن الفحشاء « 3 » والمنكر » « 4 » يدل على ما قلناه ؛ لأن الفحشاء والمنكر قد يشتملان على شرعىّ وعقلي . وكذلك القول فيما نبّه عليه من وجه الفساد في شرب الخمر ، فلا وجه للقطع على أحد الأمرين إلا بدليل معيّن .
فأما القول في النوافل الشرعية إنها تكون مسهّلة لأمثالها من الفرائض الشرعية ، دون العقليات فبعيد أيضا ؛ لأن الدليل ، إذا لم يدلّ على ذلك من حالها ، فالواجب التجويز ، وألّا يمتنع من كونها مسهّلة لكثير من الواجبات العقلية .
وما الّذي يمنع من أن يكون أحدنا ، إذا وطّن نفسه على الصوم والامتناع من الشهوات واللذات ، أن يكون أقرب إلى أن يمتنع من / المحرمات العقلية التي يشتهيها ، وأن يتوقى المضار للمثوبة ، كما يتوقى الأماني من الشهوات للمثوبة . فكما له تعلّق بأمثاله من الفرائض السمعية فله تعلّق بالعقليات . فكيف يصحّ القطع على ذلك ؟ فإذا لم يمكن القطع ، في واجب شرعي مخصوص ، على أنه لطف في واجب معيّن من جهة العقل ، أو في الامتناع من قبيح معيّن ؛ بل يجوز ذلك فيها أجمع إلا بدليل قاطع ، فكيف يمكن القطع على ما قالوه في أنها ألطاف في العقليات دون الشرعيات ؟
يبيّن ذلك أن وجه التعلق بين الأمرين ، إذا لم يعرف إلا بدليل سمعىّ ، فكيف يمكن أن يقال : إنه لطف في أمر دون أمر ؟ ولولا أن الدليل القاطع قد دلّ على أنه ، في الجملة ، لا بدّ من أن يكون لطفا في بعض الواجبات ، أو الانتهاء عن بعض المحرمات ، لما قطعنا على ذلك . وإذا كان الدليل الموجب للقطع ، في هذا الباب ، إنما دلّ على جملة ،
هامش
( 1 ) في « ب » : « علا » .
( 2 ) في « ب » : « تعلى » .
( 3 ) في « ب » : « الفحشا » .
( 4 ) سورة العنكبوت آية 45 .