فصل في بيان ما يحسن من الخبر ويقبح
إذا ثبت ، بما قدّمناه ، أنه لا بدّ من كونه صدقا أو كذبا ، فالكذب لا بدّ من أن يكون قبيحا . وقد دللنا على ذلك من قبل ، وبيّنا أنه لا يجب أن يشترط في قبحه ما يشترط في قبح الضرر ، وبسطنا القول فيه . فأما الصدق فقد يحسن ويقبح بأن يكون فيه ضرر عظيم ، أو يقع عبثا ؛ فلا بد من فصل بين الأمرين . والّذي يحسن منه أن تنتفى وجوه القبح عنه ، ويحصل فيه غرض حتى لا يكون في حكم ما لم يوجد ، وإنما يكون كذلك بأن نعلمه صدقا ؛ لأنه متى نعلمه كذلك ، جوّز كونه كذبا . وكلّ خبر لا نأمن فاعله أن يكون فيه كاذبا فهو قبيح منه ، كما يقبح منه نفس الكذب ؛ وأن يكون فيه نفع أو دفع ضرر عاجل أو آجل ؛ لأنه متى خلا من ذلك كان عبثا . ومن حق العبث أن يكون قبيحا ، وألا تكون فيه مضرة ، أو يؤدى إلى مضرّة عظيمة ؛ لأنه متى كان كذلك كان في حكم الظلم .
فمتى خرج الصدق عن هذه الوجوه ، فعلمه فاعله صدقا ، وحصل له فيه بعض الأغراض ، وزال عنه ما ذكرناه من المضرّة ، فهو حسن ؛ لأنه يتضمن انتفاء وجوه القبح عنه . ولا تختلف الحال بين أن يكون النفع ، الّذي فيه لفاعله أو لغيره ؛ لأنه قد يحسن ، في العقل ، الفعل إذا كان إحسانا إلى الغير . ولا يختلف في ذلك قول من فعل . وعلى هذا الوجه ، جعلنا إرشاد الضال أصلا في هذا الباب ، وهو من باب الخبر ، والدعاء إلى اللّه تعالى ، والتعليم إلى غير ذلك أصلا ، في مسائل ، وهو في باب الخبر .
واعلم أن الخبر ، إذا كان الغرض به الإفادة فقد يحسن ، وإن كانت الإفادة لا تحصل به بانفراده ، حتى ينضاف غيره من الأخبار إليه ؛ لأن ذلك لو لم يحسن لوجب ألّا يحسن