وبمثل ما ذكرناه يبطل قول من يقول : إذا كان ، عليه السلام ، يعلم أنه يصدق في سائر ما يخبر به ، فهلا جاز أن يقدم على الأخبار من غير معرفة ، لعلمه بأنها لا تقع إلا حقا وصدقا ؟ لأن إيقاع الخبر ، على هذا الوجه ، يكون قبيحا ، وإن كان صدقا ؛ ولأن ما يحاوله قد لا يفعله ، فلا يعرف من حاله أنه صدق لا محالة .
وهذه شبهة تقارب في الأنبياء شبهة من يقول : إن الإنسان لا يجوز أن يخطئ القضاء والقدر ، وما قد كتب عليه من الأمور ، فيجب ألا يستعمل التوقّى والحذر ؛ فإنه لن يقدم إلا على ما علم وقدّر . فإذا كانت هذه الشبهة مطّرحة ، في جملة التكليف ، فكذلك القول فيما ألزموه في الأنبياء ، عليهم السلام .
وهذه الجملة كافية في بيان صفة الرسول ، وما يجوز عليه وما لا يجوز . ونحن نبين الكلام فيما يختص رسولنا ، عليه السلام من المعجزات ؛ لأن التكليف المستمر ، بذلك ، يتعلق . وإنما قدّمنا ما أوردناه تمهيدا لذلك .
وقد علم أن كون القرآن معجزا يتعلق إثباته بالكلام في الأخبار ، لأنها بها يعرف القرآن ، وبها يعلم خروجه عن العادة ، وتعذره على العرب ، وأنهم لم يعارضوه ، على وجه يكشف عن تعذره عليهم . فلا بد من الكلام في بيان جملة من الأخبار أولا .
وقد ثبت ، باضطرار ، أنه عليه السلام نسخ شرائع من قبله ، وإن لم يثبت جواز النسخ لم يصح إثبات ثبوته . فلا بدّ من أن نتكلم في جملة من ذلك ، ثم نعدل إلى الكلام في القرآن ، ونبين أنه ، في الدلالة على نبوته ، بمنزلة قلب العصا حية ، وإحياء الموتى ؛ ونزيل الشبه فيه ، ونضم إليه الكلام في سائر المعجزات إن شاء اللّه .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 316
مساهمون: القاضي عبد الجبار الهمذاني
ص٣١٦