تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 308

مساهمون:

ص٣٠٨
نعنى بذلك أن هذا الأمر مما يدعو إلى أن لا يقبل منه ، ويبعد من ذلك ، ويصرف عنه . وقد يجوز ، في الصوارف ، أن لا يكون لها حكم ، لغلبة الدواعي عليها . يبين ذلك أن أحدنا لو دعا غيره إلى طعامه لكان تقطيبه لوجهه ، وتخشينه لقوله ينفر عن إجابته وأكل طعامه ، وإن كان المدعو قد يأكل ذلك لشدة جوعه ، أو لبعض الأغراض ، ولم يمنع ذلك من أن يكون فعله صارفا عن أكل طعامه . وهذا متعالم عند ذوى العقول . وبمثل هذه الطريقة ، يسقط قول من يقول - ولو خرج وقوع الكبائر ، في بعض الأحوال ، من أن يكون منفّرا - : هل كان يجوز بعثة الأنبياء المرتكبين لها قبل البعثة ، أم لا يجوز ذلك ؟ لأنا قد بينا أن الحال ، في ذلك ، لا تختلف في الأوقات ، إذا لم يكن الطريق في تنفيرها ما يوجب استمرار الحال فيها . فأما إذا أوجب ذلك فالحال لا تختلف الأوقات . فإن قال : أليس الكبير « 1 » في شريعة النبي « 2 » المتقدم قد يصير مباحا في شريعة المتأخر ، أو واجبا ، فيخرج من أن يكون منفرا ؟ فكيف يصح ما ذكرتم ؟ قيل له : إن الوجه الّذي ينفر ، إذا تغير ، تغير حكمه ؛ لأنه لم يكن منفرا لجنسه « 3 » وأحواله ، وإنما كان منفرا لأنه يوجب في مرتكبه استحقاق العقاب ، والإهانة ، والاستخفاف ؛ ويوجب فيه من الذم والنقص ما يقتضي التنفير عنه . وذلك لا يتأتى فيه إذا خرج من أن يكون قبيحا إلى أن يكون مباحا أو واجبا ؛ فلا يصح ما سألت عنه . وهذا يسقط بما قدمناه من أن الداعي إلى طعامه ؛ إذا عدل عن البشر والطلاقة إلى التعبيس والتقطيب ؛ فلا بدّ من أن يكون منفّرا بفعله « 4 » . ولو تغيّر عن البشر والطلاقة
هامش
( 1 ) هكذا في « ا » ، « ب » والأولى أن تكون : « الكبيرة » . ( 2 ) في « ب » : « الشيء » . ( 3 ) في « ب » : « بجنسه » ( 4 ) في « ب » : « بعلة » .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 308 | القاضي عبد الجبار الهمذاني