تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 306

مساهمون:

ص٣٠٦
يبيّن ذلك أن أحدا من العقلاء لا يقول : إن مجانبة المعصية أبعد من القبول ، من ارتكابها . فلا بد من القبول بأن وقوعها ينفّر ويؤثر . فكيف يصح أن يقال إن في جملة من يقدم عليها ، من يكون إلى القبول منه أقرب ممن يتجنبها ؛ وهل ذلك إلا بمنزلة من يقول : إن المقدم على ما يستخفّ ، في بعض الأوقات ، أقرب إلى أن يقبل منه ممن ينزه عن ذلك ؟ وهذا يوجب أن الناقص فوق الكامل ، ومن لا رأى له فوق الحازم . ولو جاز ذلك لجاز أن يقال ، فيما بيننا « 1 » : إن من يعقّ والده ، ثم يتوب ، أقرب إلى قلبه ممن يستمر على معرفة حكم حقه والقيام بطاعته ، مع استوائهما في سائر الأحوال . فإن قال : إن الّذي ذكرتموه مسلم في غير الأنبياء ، من حيث كان وقوع ذلك منهم يقتضي تجويز وقوع أمثاله في المستقبل ، وإن أظهروا التوبة والندم . وليس كذلك حال الأنبياء لأنّ التجويز [ ؟ ؟ ؟ روله ] « 2 » بما يظهر عليهم من الأعلام الدالة على أن ذلك لا يقع منهم في المستأنف . قيل له : إن الّذي ذكرتموه يوجب أن لا فرق بين الواعظين اللذين ذكرنا حالهما ؛ لأن كل واحد منهما يجوز عليه فعل الكبائر في المستقبل . فإذا بطل ذلك علم أن ، مع التجويز ، حال المستمر على النزاهة والطهارة ، والبعد عن المعصية خوفا ووجلا ، يفارق حال من واقع ذلك ثم تاب . ففي ذلك دلالة على أنه لا يعتبر في التنفير والتجويز . وإذا لم يعتبر ذلك لم يمتنع أن يكون التنفير قائما فيمن لا يجوز ذلك فيه ، كما هو ثابت فيمن يجوز ذلك فيه . وإذا فارق حال أحد الواعظين للآخر « 3 » ، وقد استويا في التجويز ، فكذلك يجب أن يفارق حال النبي ، الّذي يستمر على النزاهة والطهارة ، لحال « 4 » من أقدم على الكبائر في هذا الباب . وقد بيّنا أنه لا يجوز [ أن يبعث تعالى رسولا إلا على هذا الوجه الّذي يكون أقوى
هامش
( 1 ) غير منقوطة في « ا » ، « ب » . والأنسب أن تكون كما قرأناها . ( 2 ) وهكذا في « ا » ، « ب » ونرجح أن تكون نؤوله . ( 3 ) هكذا في « ا » ، « ب » والأسح : الآخر . ( 4 ) هكذا في « ا » ، « ب » ، والأصح : حال .