تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 305

مساهمون:

ص٣٠٥
يبين ذلك أنه لو انضاف إلى ظهور العلم المعجز عليه النزاهة عن هذه الكبائر لكانت النفوس إليه أسكن ، وعن النفار منه أبعد ، إذا كان قد وقعت منه الكبائر والأمور المستخفة . يبين ذلك أن الواعظ والمذكّر ، وإن غلب على ظننا من حاله أنه مقلع تائب لما أظهره من أمارات التوبة والندامة ، حتى عرفنا من حاله الانهماك في الشرب والفجور من قبل ، لم يؤثر وعظه عندنا ، كتأثير المستمر على النظافة والنزاهة في سائر أحواله . فإن قال : ربما كان وعظ من هذا حاله أحسن / تأثيرا ؛ لأنه ممن يجنب المعاصي بعد إقدام عليها ، وعلم بمواقعها ونيل الأماني فيها ، ثم تنزه عنها للخوف الشديد ، مع الشهوة والمعرفة بحال موقعها ، فيكون من هذه حاله ، النفوس إلى وعظه أسكن ، وإلى القبول منه أولى . فلم قلتم إن ذلك ينفره « 1 » ؟ قيل له : هذا بعيد من القول . وذلك لأن شدة الشهوة في المعصية ، والعلم بموقعها ، لو ناله ، قد يكون مع المفارقة « 2 » ، كما قد يحصل مع المفارقة . فليس الّذي قاله ممّا يعتبر في المعرفة بموقع المعاصي . وإذا صح ذلك ، وعلم من حال الواعظ المذكر ، أنه ، مع التمكن ، وشدة الشهوة ، وقوة البصيرة بمواقع المعصية ، دام « 3 » على الامتناع ، خوفا من عقاب اللّه ، وتأميلا لثوابه وكرامته ، ومعرفة بحق نعم اللّه تعالى والتزامه لما يجب من حق شكره ووجوب طاعته ، ودعا غيره ، بالتخويف الشديد ، إلى مثل طريقته ، أن النفوس إلى من هذه حاله أسكن منه إلى من وجدناه ، بالأمر ، مقدما على شرب الخمر وارتكاب الفجور ، ثم بلغنا توبته ، وأظهر لنا ذلك من حاله . ومن ادعى أن أحدهما يقارب الآخر فقد أبعد . فكيف يصح أن يدّعى أنه مثله أو يزيد عليه ؟
هامش
( 1 ) هكذا في « ا » ، « ب » ، والأولى أن تكون « ينفر » ( 2 ) توجد هكذا في المخطوطين ا ، ب . والأنسب أن تكون « المقارفة » وهذا يتسق مع سياق الفكرة التي يعرضها فيما بعد ( 3 ) في « ب » : « دان » .