فصل في أن الكبائر وما يجرى مجراها في التنفير ، لا يجوز عليهم قبل البعثة
يدل على ذلك أن وقوع ذلك منهم ينفر عن القبول . وتنزيههم عنه يقتضي سكون النفس إليهم ، وأن يقوّى الدواعي في القبول منهم .
وقد بيّنا أن بعثتهم مصلحة ، وأنه لا بد من أن تقع على أقوى الوجوه في كونها مصلحة . وأقواها وأولاها في ذلك أن يكون المبعوث منزها عن هذه الأمور المنفّرة في كل حال : فيجب أن يثبت كذلك ، وألا يجوز خلافه .
فإن قال : ومن أين أن إقدامهم على الكبائر ، قبل البعثة ، ينفّر ، ويؤثر ؟
قيل له : إن العلم بأن مثل ذلك ينفّر مما لا يكتسب بالأدلة العقلية ، [ فنذكرها للسائل « 1 » ] ، كما نذكر ذلك في المذاهب المختلف فيها ؛ وإنما يرجع ، في ذلك ، إلى العادات والمتعالم من أحوال الناس ، في العادة الجارية ، أن ذلك ينفرهم ، كما ينفرهم الإقدام على الأمور المستحفّة . فلا فرق بين من قال ، في هذه الكبائر ، إنها لا تنفر وبين من قال : إنه لا فعل ينفرّ في العالم ، وهذا واضح الفساد .
فإن قال : إني أسلم كونه منفرا ، لكنني أقول إنه ينفر إذا تجرّد .
فأما إذا ظهر على الرسول الأعلام المعجزة الدالة على التوبة ، والإقلاع ، والندم ، والإنابة ، وعلم ذلك من حاله يقينا ، صار ما وقع منه من الكبائر وغيرها كأن لم يكن ، فلا يكون له حكم في التنفير ، وإن كان لو تجرد لنفر .
قيل له : إن الّذي ذكرته لا يمتنع أن يخفف حال هذه الكبائر في التنفير . فأما أن يخرجها من كونها منفّرة ، مع أن من حقها أن تكون منفّرة ، فلا .
هامش
( 1 ) في « ا » و « ب » : « فيذكرها السائل » ولا يتفق مع المعنى ولا مع السياق .