تخطي إلى المحتوى الرئيسي

المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 302

مساهمون:

ص٣٠٢
ألا يوثق « 1 » بأن جميع ما أدوه من الشرائع ؛ لأن إلزامهم الأمة بشرائع لم يحمّلوها لا يخرجهم من أن يكونوا قد أدوا ؛ وهذا يقدح في كمال المعرفة بشرائعهم ، ولا يمكن الاعتصام ، في ذلك ، إلا بما ذكرناه من نفى جواز الكبائر عليهم . وأما الطريقة الثانية فالكلام بيّن فيها ؛ لأنه قد ثبت أنه تعالى بعث الرسل لتعريف المصالح التي لا تعرف إلا من قبلهم . فبعثتهم مصلحة ، من حيث لا تصحّ مصالح الأمة إلا بهم . وقد ثبت ، فيما هو صلاح ، أنه تعالى يجب أن يفعله على أقوى الوجوه في كونه صلاحا ، لمثل ما لو ثبت أنه لا بد في التكليف ، من أن يفعل اللطف والمصلحة . لأن العلة في ذلك أنه أقرب إلى أداء ما كلّف . فإذا كان الصلاح يقع على وجهين : على أحدهما يكون أقرب إلى القبول ، وعلى الآخر لا يكون أقرب ، فلا بدّ من أن يفعل ما هو الأقرب إلى القبول . وإذا صحّ ذلك ، وكان المتعالم ، فيمن تجوز عليه الكبائر ، أن النفوس لا تسكن إلى القبول منه سكونها إلى من كان منزها عن ذلك ، فيجب ألا يجوز في الأنبياء ، عليهم السلام ، إلا ما نقوله ، من أنهم منزهون عما يوجب العقاب ، والاستخفاف ، والخروج من ولاية اللّه تعالى إلى عداوته . يبين ذلك أنهم ، لو بعثوا للمنع من الكبائر والمعاصي بالمنع والرّدع والتخويف ، فلا يجوز أن يكونوا مقدمين على مثل ذلك ؛ لأن المتعالم أن المقدم على الشيء لا يقبل منه منع الغير منه ، للنهي ، والزجر ، والنكير ، وأن هذه الأحوال منه لا تؤثر . ومتى امتنع الممتنع ، عند قوله ، فلأمر يذكره بقوله ، لا لأجل قوله ؛ لأن قوله لا يؤثر في هذا الباب . وهذا متقرر في الطباع ، في سائر الأفعال . ولذلك نرى الناهي غيره عن أمر يأتيه يعارض بفعله له ، ويستخف بإنكاره . ولو أن واعظا انتصب يخوّف من المعاصي من يشاهده مقدما على مثلها [ لاستخف « 2 » ] به وبوعظه / . ومن لم يسلك هذه الطريقة يلزمه أن يجوّز عليهم الكفر وسائر ما يستخف من الأمور . وهذا مما لا يبلغه أحد منهم ، لأن الحشو ، وإن قالوا ، في زمن الأنبياء
هامش
( 1 ) في « ب » : « يؤثر » . ( 2 ) في « ب » : لا يستخف .
المغني في أبواب التوحيد والعدل — صفحة 302 | القاضي عبد الجبار الهمذاني